فهرس الكتاب

الصفحة 3438 من 3896

وَهُوَ مُحَرَّمٌ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَنْدُوبٍ، أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ، فَحَلُّهَا مَكْرُوهٌ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مُبَاحٍ، فَحَلُّهَا مُبَاحٌ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ حَلُّهَا مُبَاحًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} ؟ قُلْنَا: هَذَا فِي الْأَيْمَانِ فِي الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} إلَى قَوْلِهِ: {تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} .

وَالْعَهْدُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، فَمَعَ الْيَمِينِ أَوْلَى ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذَا عَاهَدْتُمْ} وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} . وَلِهَذَا نَهَى عَنْ نَقْضِ الْيَمِينِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَذَمَّهُمْ عَلَيْهِ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَلَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا يَدْخُلُهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا.

وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ، فَحَلُّهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إذَا حَلَفْت عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْت غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِك} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنِّي وَاَللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَتَحَلَّلْتهَا} . وَإِنْ كَانَتْ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، فَحَلُّهَا وَاجِبٌ ; لِأَنَّ حَلَّهَا بِفِعْلِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلُ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ.

(7946) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا، فَلَمْ يَفْعَلْهُ، أَوْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ)

لَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْيَمِينُ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، هِيَ الَّتِي عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْأَفْعَالِ. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ الْحِنْثَ مَتَى كَانَ طَاعَةً، لَمْ يُوجِبْ كَفَّارَةً.

وَقَالَ قَوْمٌ: مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ مَعْصِيَةٍ، فَكَفَّارَتُهَا تَرْكُهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اللَّغْوُ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ فِيمَا لَا يَنْبَغِي لَهُ. يَعْنِي فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي الْحِنْثِ. وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَدَعْهَا، وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا تَجِبُ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَلَا إثْمَ فِي الطَّاعَةِ. وَلِأَنَّ الْيَمِينَ كَالنَّذْرِ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى.

وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ. وَقَالَ: إنِّي وَاَللَّهِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي} . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. وَحَدِيثُهُمْ لَا يُعَارِضُ حَدِيثَنَا ; لِأَنَّ حَدِيثَنَا أَصَحُّ مِنْهُ وَأَثْبَتُ.

ثُمَّ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَةٌ لِإِثْمِ الْحَلِفِ، وَالْكَفَّارَةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا كَفَّارَةُ الْمُخَالَفَةِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْحِنْثَ طَاعَةٌ. قُلْنَا: فَالْيَمِينُ غَيْرُ طَاعَةٍ، فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ; لِلْمُخَالَفَةِ، وَلِتَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - إذَا حَلَفَ بِهِ وَلَمْ يَبَرَّ يَمِينَهُ. إذَا ثَبَتَ هَذَا، نَظَرْنَا فِي يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ فَفَعَلَهُ، حَنِثَ، وَوَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ. وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت