فهرس الكتاب

الصفحة 2641 من 3896

الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَقَدْ امْتَنَعَ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ، فَيُؤْمَرُ بِالتَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ. وَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا، فَفَاءَ بِلِسَانِهِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْوَطْءِ، أُمِرَ بِهِ، فَإِنْ فَعَلَ، وَإِلَّا أُمِرَ بِالطَّلَاقِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إذَا فَاءَ بِلِسَانِهِ، لَمْ يُطَالَبْ بِالْفَيْئَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ.

وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَعِكْرِمَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ ; لِأَنَّهُ فَاءَ مَرَّةً، فَخَرَجَ مِنْ الْإِيلَاءِ، وَلَمْ تَلْزَمْهُ فَيْئَةٌ ثَانِيَةٌ، كَمَا لَوْ فَاءَ بِالْوَطْءِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تُسْتَأْنَفُ لَهُ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ ; لِأَنَّهُ وَفَّاهَا حَقَّهَا بِمَا أَمْكَنَهُ مِنْ الْفَيْئَةِ، فَلَا يُطَالَبُ إلَّا بَعْدَ اسْتِئْنَافِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا. وَلَنَا أَنَّهُ أَخَّرَ حَقَّهَا لِعَجْزِهِ عَنْهُ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ أَنْ يُوَفِّيَهَا إيَّاهُ، كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُعْسِرِ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ. وَمَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ بِحَقِّهَا، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهَا بِهِ، وَإِنَّمَا وَعَدَهَا بِالْوَفَاءِ، وَلَزِمَهَا الصَّبْرُ عَلَيْهِ وَإِنْظَارُهُ. كَالْغَرِيمِ الْمُعْسِرِ.

(6149) فَصْلٌ: وَلَيْسَ عَلَى مَنْ فَاءَ بِلِسَانِهِ كَفَّارَةٌ، وَلَا حِنْثٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِفِعْلِهِ، فَهُوَ كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَلَفَ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ، ثُمَّ أَعْسَرِ بِهِ، فَقَالَ: مَتَى قَدَرْتُ وَفَّيْتُهُ.

(6150) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( فَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ)

وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُولِيَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ بَعْدَ التَّرَبُّصِ، أَوْ امْتَنَعَ الْمَعْذُورُ مِنْ الْفَيْئَةِ بِلِسَانِهِ، أَوْ امْتَنَعَ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ زَوَالِ عُذْرِهِ، أُمِرَ بِالطَّلَاقِ. فَإِنْ طَلَّقَ، وَقَعَ طَلَاقُهُ الَّذِي أَوْقَعَهُ، وَاحِدَةً كَانَتْ أَوْ أَكْثَرَ. وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ إجْبَارُهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ طَلْقَةٍ ; لِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْوَفَاءُ بِحَقِّهَا بِهَا ; فَإِنَّهَا تُفْضِي إلَى الْبَيْنُونَةِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ ضَرَرِهِ. وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الطَّلَاقِ، طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الطَّلَاقُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ مَا خُيِّرَ الزَّوْجُ فِيهِ بَيْن أَمْرَيْنِ، لَمْ يَقُمْ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ كَالِاخْتِيَارِ لِبَعْضِ الزَّوْجَاتِ فِي حَقِّ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، أَوْ أُخْتَانِ. فَعَلَى هَذَا يَحْبِسُهُ، وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَفِيءَ، أَوْ يُطَلِّقَ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كَالرِّوَايَتَيْنِ.

وَلَنَا، أَنَّ مَا دَخَلَتْهُ النِّيَابَةُ، وَتَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ، وَامْتَنَعَ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ، قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ فِيهِ، كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَفَارَقَ الِاخْتِيَارَ، فَإِنَّهُ مَا تَعَيَّنَ مُسْتَحِقُّهُ. وَهَذَا أَصَحُّ فِي الْمَذْهَبِ. وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَأْمُرَ بِالطَّلَاقِ وَلَا يُطَلِّقَ إلَّا أَنْ تَطْلُبَ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا، وَإِنَّمَا الْحَاكِمُ يَسْتَوْفِي لَهَا الْحَقَّ، فَلَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ طَلَبِهَا.

(6151) فَصْلٌ: وَالطَّلَاقُ الْوَاجِبُ عَلَى الْمُولِي رَجْعِيٌّ، سَوَاءٌ أَوْقَعَهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ طَلَّقَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمُولِي: فَإِنْ طَلَّقَهَا. قَالَ: تَكُونُ وَاحِدَةً، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّ فُرْقَةَ الْحَاكِمِ تَكُونُ بَائِنًا. ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا. وَقَالَ الْقَاضِي: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي فُرْقَةِ الْحَاكِمِ، أَنَّهَا تَكُونُ بَائِنًا ; فَإِنَّ فِي رِوَايَة الْأَثْرَمِ: وَقَدْ سُئِلَ إذَا طَلَّقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، أَتَكُونُ وَاحِدَةً ؟ فَقَالَ: إذَا طَلَّقَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، فَأَمَّا تَفْرِيقُ السُّلْطَانِ، فَلَيْسَ فِيهِ رَجْعَةٌ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: طَلَاقُ الْمُولِي بَائِنٌ، سَوَاءٌ طَلَّقَ هُوَ، أَوْ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ ; لِأَنَّهَا فُرْقَةٌ لِرَفْعِ الضَّرَرِ، فَكَانَ بَائِنًا، كَفُرْقَةِ الْعُنَّةِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، لَمْ يَنْدَفِعْ الضَّرَرُ ; لِأَنَّهُ يَرْتَجِعُهَا، فَيَبْقَى الضَّرَرُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ الطَّلَاقُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَائِنًا. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ ; أَنَّهُ طَلَاقٌ صَادَفَ مَدْخُولًا بِهَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَلَا اسْتِيفَاءِ عَدَدٍ، فَكَانَ رَجْعِيًّا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت