{صَفِيَّةَ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي مُعْتَكَفِهِ، فَلَمَّا قَامَتْ لِتَنْقَلِبَ خَرَجَ مَعَهَا لِيَقْلِبَهَا} . وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ تَأَنَّى فِي مَشْيِهِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَأَبْطَلَهُ، كَمَا لَوْ أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ، وَأَمَّا خُرُوجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بُدٌّ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَيْلًا، فَلَمْ يَأْمَنْ عَلَيْهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِ اعْتِكَافِهِ تَطَوُّعًا، لَهُ تَرْكُ جَمِيعِهِ، فَكَانَ لَهُ تَرْكُ بَعْضِهِ، وَلِذَلِكَ تَرَكَهُ لَمَّا أَرَادَ نِسَاؤُهُ الِاعْتِكَافَ مَعَهُ. وَأَمَّا الْمَشْيُ فَتَخْتَلِف فِيهِ طِبَاعُ النَّاسِ، وَعَلَيْهِ فِي تَغْيِيرِ مَشْيِهِ مَشَقَّةٌ، وَلَا كَذَلِكَ هَاهُنَا، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى الْخُرُوجِ.
(2160) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ)
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فَصْلَيْنِ (2161) : أَحَدُهُمَا، فِي الْخُرُوجِ لِعِيَادَةِ الْمَرِيض وَشُهُودِ الْجِنَازَةِ، مَعَ عَدَمِ الِاشْتِرَاطِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْهُ: لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعُرْوَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَرَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، أَنَّ لَهُ أَنْ يَعُودَ الْمَرِيضَ، وَيَشْهَدَ الْجِنَازَةَ، وَيَعُودَ إلَى مُعْتَكَفِهِ. وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ ; لِمَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَدْ الْجُمُعَةَ، وَلْيَعُدْ الْمَرِيضَ، وَلْيَحْضُرْ الْجِنَازَةَ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ وَهُوَ قَائِمٌ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْأَثْرَمُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: عَاصِمُ بْنُ ضَمْرَةَ عِنْدِي حُجَّةٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيَعُودُ الْمَرِيضَ، وَلَا يَجْلِسُ، وَيَقْضِي الْحَاجَةَ، وَيَعُودُ إلَى مُعْتَكَفِهِ. وَجْهُ الْأَوَّلِ، مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اعْتَكَفَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ. وَعَنْهَا قَالَتْ {: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ، فَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ} . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ مِنْ أَجْلِهِ، كَالْمَشْيِ مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ لِيَقْضِيَهَا لَهُ. وَإِنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ، لَمْ يَجُزْ الْخُرُوجُ إلَيْهَا. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا. وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ دَفْنُ الْمَيِّتِ، أَوْ تَغْسِيلُهُ، جَازَ أَنْ يَخْرُجَ لَهُ ; لِأَنَّ هَذَا وَاجِبٌ مُتَعَيَّنٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى الِاعْتِكَافِ، كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَأَمَّا إنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ تَطَوُّعًا، وَأَحَبَّ الْخُرُوجَ مِنْهُ لِعِيَادَةِ مَرِيضٍ، أَوْ شُهُودِ جِنَازَةٍ، جَازَ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَطَوُّعٌ، فَلَا يَتَحَتَّمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْمُقَامُ عَلَى اعْتِكَافِهِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُعَرِّجُ عَلَى الْمَرِيضِ وَلَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ.
فَأَمَّا إنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَسَأَلَ عَنْ الْمَرِيضِ فِي طَرِيقِهِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ، جَازَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ. (2162) الْفَصْلُ الثَّانِي، إذَا اشْتَرَطَ فِعْلَ ذَلِكَ فِي اعْتِكَافِهِ، فَلَهُ فِعْلُهُ، وَاجِبًا كَانَ الِاعْتِكَافُ أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ. وَكَذَلِكَ مَا كَانَ قُرْبَةً، كَزِيَارَةِ أَهْلِهِ، أَوْ رَجُلٍ صَالِحٍ أَوْ عَالِمٍ، أَوْ شُهُودِ جِنَازَةٍ، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مُبَاحًا مِمَّا