فهرس الكتاب

الصفحة 1010 من 3896

وَلَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت، مَا أَهْدَيْت. قَالَ: فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا. قَالَ فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ: مُتْعَتُنَا هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِعَامِنَا هَذَا، أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ فَظَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: لِلْأَبَدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَأَمَّا حَدِيثُهُمْ، فَقَالَ أَحْمَدُ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ، فَمَنْ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ ؟ يَعْنِي أَنَّهُ مَجْهُولٌ. وَلَمْ يَرْوِهِ إلَّا الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ رَوَاهُ مُرَقِّعٌ الْأَسَدِيُّ، فَمَنْ مُرَقِّعٌ الْأَسَدِيُّ، شَاعِرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَلْقَ أَبَا ذَرٍّ. فَقِيلَ لَهُ: أَفَلَيْسَ قَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ؟ قَالَ: كَانَتْ مُتْعَةُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: أَفَيَقُولُ بِهَذَا أَحَدٌ ؟ الْمُتْعَةُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهَا جَائِزَةٌ. قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ: مُرَقِّعٌ الْأَسَدِيُّ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي ضَعْفِهَا وَجَهَالَةِ رُوَاتِهَا، لَا تُقْبَلُ إذَا انْفَرَدَتْ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ فِي رَدِّ حُكْمٍ ثَابِتٍ بِالتَّوَاتُرِ، مَعَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي ذَرٍّ مِنْ رَأْيِهِ، وَقَدْ خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَقَدْ شَذَّ بِهِ عَنْ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى هَذَا، وَقَدْ اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، فَفِي أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ عَنْهُ قَوْلُهُ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الثَّابِتَةِ الصَّحِيحَةِ، فَلَا يَحِلُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُقْبَلُ، عَلَى أَنَّ قِيَاسَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي هَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَلْبُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ حُصِرَ عَنْ عَرَفَةَ، وَالْعُمْرَةُ لَا تَصِيرُ حَجًّا بِحَالٍ. وَلِأَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ يَصِيرُ بِهِ مُتَمَتِّعًا، فَتَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ، وَفَسْخُ الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ يُفَوِّتُ الْفَضِيلَةَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْفَضِيلَةُ مَشْرُوعِيَّةُ تَفْوِيتِهَا.

(2500) فَصْلٌ: وَإِذَا فَسَخَ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ، صَارَ مُتَمَتِّعًا، حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُتَمَتِّعِينَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجِبُ الدَّمُ ; لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهِ أَنْ يَنْوِيَ فِي ابْتِدَاءِ الْعُمْرَةِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهَا، أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ. وَهَذِهِ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، تُخَالِفُ عُمُومَ الْكِتَابِ وَصَرِيحَ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ} .

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحِلَّ، ثُمَّ لِيُهِلّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ وُجُوبَ الدَّمِ فِي الْمُتْعَةِ لِلتَّرَفُّهِ بِسُقُوطِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَخْتَلِفُ بِالنِّيَّةِ وَعَدَمِهَا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ وُجُوبُ الدَّمِ، عَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ، فَقَدْ وُجِدَتْ، فَإِنَّهُ مَا حَلَّ حَتَّى نَوَى أَنَّهُ يَحِلُّ، ثُمَّ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ.

(2501) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ)

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَقْطَعُ الْمُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ إذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ: (إذَا وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ) . وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وَطَاوُسٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعُرْوَةُ، وَالْحَسَنُ: يَقْطَعُهَا إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ.

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: يَقْطَعُهَا حِينَ يَرَى عَرْشَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت