عَبْدَيْنِ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ، فَتَلِفَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ، كَانَ تَلَفُهُ مِنْ الرِّبْحِ، وَلَمْ يَنْقُصْ رَأْسُ الْمَالِ بِتَلَفِهِ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. وَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدَانِ كِلَاهُمَا، انْفَسَخَتْ الْمُضَارَبَةُ ; لِزَوَالِ مَالِهَا كُلِّهِ. فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ رَبُّ الْمَالِ بَعْدَ ذَلِكَ أَلْفًا، كَانَ الْأَلْفُ رَأْسَ الْمَالِ، وَلَمْ يُضَمَّ إلَى الْمُضَارَبَةِ الْأُولَى ; لِأَنَّهَا انْفَسَخَتْ لِذَهَابِ مَالِهَا.
(3704) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا اتَّفَقَ رَبُّ الْمَالِ وَالْمُضَارِبُ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، وَالْوَضِيعَةَ عَلَيْهِمَا، كَانَ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا وَالْوَضِيعَةُ عَلَى الْمَالِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ مَتَى شَرَطَ عَلَى الْمُضَارِبِ ضَمَانَ الْمَالِ، أَوْ سَهْمًا مِنْ الْوَضِيعَةِ، فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِهِ. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ، فَأَفْسَدَ الْمُضَارَبَةَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لَأَحَدِهِمَا فَضْلَ دَرَاهِمَ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
وَلَنَا، أَنَّهُ شَرْطٌ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَهَالَةِ الرِّبْحِ، فَلَمْ يَفْسُدْ بِهِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ لُزُومَ الْمُضَارَبَةِ. وَيُفَارِقُ شَرْطَ الدَّرَاهِمَ ; لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ الشَّرْطُ ثَبَتَتْ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الرِّبْحِ مَجْهُولَةً.
(3705) فَصْلٌ: وَالشُّرُوطُ فِي الْمُضَارَبَةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ; صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ، فَالصَّحِيحُ مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْعَامِلِ أَنْ لَا يُسَافِرَ بِالْمَالِ، أَوْ أَنْ يُسَافِرَ بِهِ، أَوْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ نَوْعٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ. فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ كَانَ النَّوْعُ مِمَّا يَعُمُّ وُجُودُهُ، أَوْ لَا يَعُمُّ، وَالرَّجُلُ مِمَّنْ يَكْثُرُ عِنْدَهُ الْمَتَاعُ أَوْ يَقِلُّ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا، أَوْ مَا لَا يَعُمُّ وُجُودُهُ، كَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ، وَالْخَيْلِ الْبُلْقِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَقْصُودَ الْمُضَارَبَةِ، وَهُوَ التَّقْلِيبُ وَطَلَبُ الرِّبْحِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ إلَّا مِنْ فُلَانٍ، أَوْ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِمِثْلِ مَا اشْتَرَى بِهِ. وَلَنَا، أَنَّهَا مُضَارَبَةٌ خَاصَّةٌ، لَا تَمْنَعُ الرِّبْحَ بِالْكُلِّيَّةِ، فَصَحَّتْ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يَتَّجِرَ إلَّا فِي نَوْعٍ يَعُمُّ وُجُودُهُ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِنَوْعِ، فَصَحَّ تَخْصِيصُهُ فِي رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَسِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا، كَالْوَكَالَةِ.
وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ يَمْنَعُ الْمَقْصُودَ. مَمْنُوعُ، وَإِنَّمَا يُقَلِّلُهُ، وَتَقْلِيلُهُ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَتَخْصِيصِهِ بِالنَّوْعِ. وَيُفَارِقُ مَا إذَا شَرَطَ أَنْ لَا يَبِيعَ إلَّا بِرَأْسِ الْمَالِ، فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الرِّبْحَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: لَا تَبِعْ إلَّا مِنْ فُلَانٍ، وَلَا تَشْتَرِ إلَّا مِنْ فُلَانٍ. فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الرِّبْحَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِي مَا بَاعَهُ إلَّا بِدُونِ ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ. وَلِهَذَا لَوْ قَالَ: لَا تَبِعْ إلَّا مِمَّنْ اشْتَرَيْت مِنْهُ. لَمْ يَصِحّ ; لِذَلِكَ.
(3706) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَأْقِيتُ الْمُضَارَبَةِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: ضَارَبْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّرَاهِمِ سَنَةً، فَإِذَا انْقَضَتْ فَلَا تَبِعْ، وَلَا تَشْتَرِ. قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ أَعْطَى رَجُلًا أَلْفًا مُضَارَبَةً شَهْرًا، قَالَ: إذَا مَضَى شَهْرٌ يَكُونُ قَرْضًا. قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. قُلْت: فَإِنْ جَاءَ الشَّهْرُ وَهِيَ مَتَاعٌ ؟ قَالَ: إذَا بَاعَ الْمَتَاعَ يَكُونُ قَرْضًا.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِي صِحَّةِ شَرْطِ التَّأْقِيتِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، هُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّانِيَةُ، لَا يَصِحُّ.