يَعْنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - الْمِيرَاثَ بِالْوَلَاءِ. وَأَضَافَ الْمِيرَاثَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ سَبَبُهُ، فَإِنَّ الشَّيْءَ يُضَافُ إلَى سَبَبِهِ، كَمَا يُقَال: دِيَةُ الْخَطَأِ، وَدِيَةُ الْعَمْدِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَإِنَّمَا يُورَثُ بِهِ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ. وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ وَسَالِمٌ، الزُّهْرِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَقَتَادَةُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَدَاوُد. وَجَعَلَ شُرَيْحٌ الْوَلَاءَ مَوْرُوثًا كَالْمَالِ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ} . وَقَوْلُهُ {: الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ.} وَالنَّسَبُ يُورَثُ بِهِ وَلَا يُورَثُ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ. وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِإِنْعَامِ السَّيِّدِ عَلَى عَبْدِهِ بِالْعِتْقِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْمُعْتِقِ، فَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ.
(5024) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، أَوْ كَاتَبْنَ، أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ)
، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بِنْتِ الْمُعْتِقِ خَاصَّةً، أَنَّهَا تَرِثُ ; لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {أَنَّهُ وَرَّثَ بِنْتَ حَمْزَةَ مِنْ الَّذِي أَعْتَقَهُ حَمْزَةُ} قَوْلُهُ:"وَلَا يَرِثُ النِّسَاءُ مِنْ الْوَلَاءِ". ; لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ الْوَلَاءَ لَا يُورَثُ، وَلِهَذَا قَالَ:"إلَّا مَا أَعْتَقْنَ". وَمُعْتَقَهُنَّ وَلَاؤُهُ لَهُنَّ، فَكَيْفَ يَرِثْنَهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرِثْنَ بِالْوَلَاءِ إلَّا مَا أَعْتَقْنَ، أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ، وَجَرَّ الْوَلَاءَ إلَيْهِنَّ مَنْ أَعْتَقْنَ. وَالْكِتَابَةُ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا إعْتَاقٌ. قَالَ الْقَاضِي: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرِهَا الْخِرَقِيِّ فِي ابْنَةِ الْمُعْتِقِ مَا وَجَدْتهَا مَنْصُوصَةً عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَدْ سَأَلَهُ: هَلْ كَانَ الْمَوْلَى لِحَمْزَةَ أَوْ لِابْنَتِهِ ؟ فَقَالَ: لِابْنَتِهِ. فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ ابْنَةَ حَمْزَةَ وَرِثَتْ بِوَلَاءِ نَفْسِهَا ; لِأَنَّهَا هِيَ الْمُعْتِقَةُ. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ غَيْرَ شُرَيْحٍ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْوَلَاءَ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، وَالْمَوْلَى كَالنَّسِيبِ مِنْ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَنَحْوِهِمَا، فَوَلَدُهُ مِنْ الْعَتِيقِ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ أَخِيهِ وَعَمِّهِ، وَلَا يَرِثُ مِنْهُمْ إلَّا الذُّكُورُ خَاصَّةً. فَأَمَّا رِوَايَةُ الْخِرَقِيِّ فِي بِنْتِ الْمُعْتَقِ، فَوَجْهُهَا مَا رَوَى إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، أَنَّ مَوْلًى لِحَمْزَةَ مَاتَ، وَخَلَّفَ بِنْتًا، فَوَرَّثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنْتَهُ النِّصْفَ، وَجَعَلَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ النِّصْفَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَوْلَى كَانَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ {: كَانَ لِبِنْتِ حَمْزَةَ مَوْلًى أَعْتَقَتْهُ، فَمَاتَ، وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَمَوْلَاتَهُ بِنْتَ حَمْزَةَ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَى ابْنَتَهُ النِّصْفَ وَأَعْطَى مَوْلَاتَهُ بِنْتَ حَمْزَةَ النِّصْفَ} . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: أَنَا أَعْلَمُ بِهَا ; لِأَنَّهَا أُخْتِي مِنْ أُمِّي، أُمُّنَا سَلْمَى. رَوَاهُ ابْنُ اللَّبَّانِ بِإِسْنَادِهِ، وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ مِمَّا رَوَى إبْرَاهِيمُ. وَلِأَنَّ الْبِنْتَ مِنْ النِّسَاءِ، فَلَا تَرِثُ بِالْوَلَاءِ كَسَائِرِ النِّسَاءِ. فَأَمَّا تَوْرِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ مُعْتَقِهَا، وَمُعْتِقِ مُعْتَقِهَا، وَمِنْ جَرَّ وَلَاءَ مُعْتَقِهَا، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَقَدْ نَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ عَائِشَةَ {أَرَادَتْ شِرَاءَ بَرِيرَةَ لِتُعْتِقَهَا، وَيَكُونَ وَلَاؤُهَا لَهَا، فَأَرَادَ أَهْلُهَا اشْتِرَاطَ وَلَائِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اشْتَرِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ.} قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَلِأَنَّ الْمُعْتِقَةَ مُنْعِمَةٌ بِالْإِعْتَاقِ، كَالرَّجُلِ، فَوَجَبَ أَنْ تُسَاوِيَهُ فِي الْمِيرَاثِ. وَفِي حَدِيثِ مَوْلَى بِنْتِ حَمْزَةَ، الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، تَنْصِيصٌ عَلَى تَوْرِيثِ الْمُعْتِقَةِ.
وَأَمَّا مُعْتَقُ أَبِيهَا، فَهُوَ