فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ: إذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي بَلَدٍ، وَمَالُهُ فِي بَلَدٍ، فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تُؤَدَّى حَيْثُ كَانَ الْمَالُ، فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَيْثُ هُوَ، وَبَعْضُهُ فِي مِصْرٍ، يُؤَدِّي زَكَاةَ كُلِّ مَالٍ حَيْثُ هُوَ. فَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْ مِصْرِهِ وَأَهْلِهِ، وَالْمَالُ مَعَهُ، فَأَسْهَلُ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، وَبَعْضَهُ فِي هَذَا الْبَلَدِ، وَبَعْضَهُ فِي الْبَلَدِ الْآخَرِ.
فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَالُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ حَتَّى يَمْكُثَ فِيهِ حَوْلًا تَامًّا، فَلَا يَبْعَثُ بِزَكَاتِهِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ. فَإِنْ كَانَ الْمَالُ تِجَارَةً يُسَافِرُ بِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: يُفَرِّقُ زَكَاتَهُ حَيْثُ حَالَ حَوْلُهُ، فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ. وَمَفْهُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي اعْتِبَارِهِ الْحَوْلَ التَّامَّ، أَنَّهُ يَسْهُلُ فِي أَنْ يُفَرِّقَهَا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ الَّتِي أَقَامَ بِهَا فِي ذَلِكَ الْحَوْلِ.
وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَغِيبُ عَنْ أَهْلِهِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ: يُزَكِّيه فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَثُرَ مُقَامُهُ فِيهِ. فَأَمَّا زَكَاةُ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ يُفَرِّقُهَا فِي الْبَلَدِ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَالُهُ فِيهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَفُرِّقَتْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي سَبَبُهَا فِيهِ.
(1801) فَصْلٌ: وَالْمُسْتَحَبُّ تَفْرِقَةُ الصَّدَقَةِ فِي بَلَدِهَا، ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْ الْقُرَى وَالْبُلْدَانِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ زَكَاتَهُ فِي الْقُرَى الَّتِي حَوْلَهُ مَا لَمْ تُقْصَرْ الصَّلَاةُ فِي أَثْنَائِهَا، وَيَبْدَأُ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ. وَإِنْ نَقَلَهَا إلَى الْبَعِيدِ لِتَحَرِّي قَرَابَةٍ، أَوْ مَنْ كَانَ أَشَدَّ حَاجَةً، فَلَا بَأْسَ، مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَسَافَةَ الْقَصْرِ.
(1802) فَصْلٌ: وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي الصَّدَقَةَ، وَاحْتَاجَ إلَى بَيْعِهَا لِمَصْلَحَةِ مَنْ كَلَّفَهُ فِي نَقْلِهَا أَوْ مَرَضِهَا أَوْ نَحْوِهِمَا، فَلَهُ ذَلِكَ ; لِمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ، فَسَأَلَ عَنْهَا ؟ فَقَالَ الْمُصَدِّقُ: إنِّي ارْتَجَعْتهَا بِإِبِلٍ. فَسَكَتَ.} رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، فِي"الْأَمْوَالِ"،
وَقَالَ: الرَّجْعَةُ أَنْ يَبِيعَهَا، وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا مِثْلَهَا أَوْ غَيْرَهَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى بَيْعِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ. وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ ; لِحَدِيثِ قَيْسٍ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَكَتَ حِينَ أَخْبَرَهُ الْمُصَدِّقُ بِارْتِجَاعِهَا، وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ.
(1803) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ مَاشِيَةً قَبْلَ الْحَوْلِ بِمِثْلِهَا، زَكَّاهَا إذَا تَمَّ حَوْلٌ مِنْ وَقْتِ مِلْكِهِ الْأَوَّلِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا بَاعَ نِصَابًا لِلزَّكَاةِ، مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ بِجِنْسِهِ، كَالْإِبِلِ بِالْإِبِلِ، أَوْ الْبَقَرِ بِالْبَقَرِ، أَوْ الْغَنَمِ بِالْغَنَمِ، أَوْ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، أَوْ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، لَمْ يَنْقَطِعْ الْحَوْلُ، وَبَنَى حَوْلَ الثَّانِي عَلَى حَوْلِ الْأَوَّلِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَنْبَنِي حَوْلُ نِصَابٍ عَلَى حَوْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ ; لِقَوْلِهِ: {لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ} . وَلِأَنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَنْبَنِ عَلَى حَوْلِ غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ. وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَثْمَانِ. وَوَافَقَ الشَّافِعِيَّ فِيمَا سِوَاهَا ; لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا وَجَبَتْ فِي الْأَثْمَانِ لِكَوْنِهَا ثَمَنًا، وَهَذَا الْمَعْنَى يَشْمَلُهَا، بِخِلَافِ غَيْرِهَا.
وَلَنَا، أَنَّهُ نِصَابٌ يُضَمُّ إلَيْهِ نَمَاؤُهُ فِي الْحَوْلِ، فَبُنِيَ حَوْلُ بَدَلِهِ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى حَوْلِهِ، كَالْعُرُوضِ، وَالْحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِالنَّمَاءِ وَالرِّبْحِ وَالْعُرُوضِ، فَنَقِيسُ عَلَيْهِ مَحَلَّ النِّزَاعِ، وَالْجِنْسَانِ لَا يُضَمُّ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ مَعَ وُجُودِهِمَا. فَأَوْلَى أَنْ لَا يُبْنَى حَوْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ.
(1804) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ، فَيَبِيعُهَا