فهرس الكتاب

الصفحة 1409 من 3896

وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ إذَا فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ لِرُشْدِهِ وَبُلُوغِهِ، وَدُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ، ثُمَّ عَادَ إلَى السَّفَهِ، أُعِيدَ عَلَيْهِ الْحَجْرُ. وَبِهَذَا قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُبْتَدَأُ الْحَجْرُ عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ، وَتَصَرُّفُهُ نَافِذٌ.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ ; لِأَنَّهُ حُرٌّ مُكَلَّفٌ، فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ كَالرَّشِيدِ. وَلَنَا.

إجْمَاعُ

الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ابْتَاعَ بَيْعًا، فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَآتِيَنَّ عُثْمَانَ لِيَحْجُرَ عَلَيْك. فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ، فَقَالَ: قَدْ ابْتَاعَ بَيْعًا، وَإِنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، فَيَسْأَلَهُ الْحَجْرَ عَلَيَّ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُك فِي الْبَيْعِ. فَأَتَى عَلِيٌّ عُثْمَانَ، فَقَالَ إنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ قَدْ ابْتَاعَ بَيْعَ كَذَا، فَاحْجُرْ عَلَيْهِ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا شَرِيكُهُ فِي الْبَيْعِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: كَيْفَ أَحْجُرُ عَلَى رَجُلٍ شَرِيكُهُ الزُّبَيْرُ.

قَالَ أَحْمَدُ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا إلَّا مِنْ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي. وَهَذِهِ قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُهَا، وَلَمْ يُخَالِفْهَا أَحَدٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَتَكُونُ إجْمَاعًا. وَلِأَنَّ هَذَا سَفِيهٌ، فَيَحْجُرُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَلَغَ سَفِيهًا ; فَإِنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إذَا بَلَغَ سَفِيهًا سَفَهُهُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ، وَلِأَنَّ السَّفَهَ لَوْ قَارَنَ الْبُلُوغَ مَنَعَ دَفْعَ مَالِهِ إلَيْهِ، فَإِذَا حَدَثَ، أَوْجَبَ انْتِزَاعَ الْمَالِ كَالْجُنُونِ. وَفَارَقَ الرَّشِيدَ ; فَإِنَّ رُشْدَهُ لَوْ قَارَنَ الْبُلُوغَ لَمْ يَمْنَعْ دَفْعَ مَالِهِ إلَيْهِ.

(3479) فَصْلٌ: وَلَا يَحْجُرُ عَلَيْهِ إلَّا الْحَاكِمُ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَصِيرُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ تَبْذِيرِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ سَبَبُ الْحَجْرِ، فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ. وَلَنَا: أَنَّ التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ، وَيُخْتَلَفُ فِيهِ، وَيَحْتَاجُ إلَى الِاجْتِهَادِ، فَإِذَا افْتَقَرَ السَّبَبُ إلَى الِاجْتِهَادِ، لَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، كَابْتِدَاءِ مُدَّةِ الْعُنَّةِ، وَلِأَنَّهُ حَجْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، كَالْحَجْرِ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَفَارَقَ الْجُنُونَ ; فَإِنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَمَتَى حُجِرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ عَادَ فَرَشَدَ، فُكَّ الْحَجْرُ عَنْهُ. وَلَا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِمِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَزُولُ السَّفَهُ ; لِأَنَّهُ سَبَبُ الْحَجْرِ، فَيَزُولُ بِزَوَالِهِ، كَمَا فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَلَنَا، أَنَّهُ حَجْرٌ ثَبَتَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِهِ، كَحَجْرِ الْمُفْلِسِ، وَلِأَنَّ الرُّشْدَ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَاجْتِهَادٍ فِي مَعْرِفَتِهِ، وَزَوَالِ تَبْذِيرِهِ، فَكَانَ كَابْتِدَاءِ الْحَجْرِ عَلَيْهِ. وَفَارَقَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ ; فَإِنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِمَا بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَزُولُ بِغَيْرِ حُكْمِهِ.

وَلِأَنَّنَا لَوْ وَقَفْنَا تَصَرُّفَ النَّاسِ عَلَى الْحَاكِمِ، كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَحْجُورًا عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ يُنْكَرُ عَقْلُهُ، يُحْجَرُ عَلَيْهِ. يَعْنِي: إذَا كَبِرَ، وَاخْتَلَّ عَقْلُهُ، حُجِرَ عَلَيْهِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ ; لِأَنَّهُ يَعْجِزُ بِذَلِكَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ، وَحِفْظِهِ، فَأَشْبَهَ الصَّبِيَّ وَالسَّفِيهَ.

(3480) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَمَنْ عَامَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ الْمُتْلِفُ لِمَالِهِ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَجَرَ عَلَى السَّفِيهِ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ، لِيَظْهَرَ أَمْرُهُ، فَتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُهُ. وَإِنْ رَأَى أَنْ يَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِي بِذَلِكَ، لِيَعْرِفَهُ النَّاسُ، فَعَلَ.

وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَنْتَشِرُ أَمْرُهُ بِشُهْرَتِهِ، وَحَدِيثِ النَّاسِ بِهِ. فَإِذَا حُجِرَ عَلَيْهِ. فَبَاعَ وَاشْتَرَى، كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا، وَاسْتَرْجَعَ الْحَاكِمُ مَا بَاعَ مِنْ مَالِهِ، وَرَدَّ الثَّمَنَ إنْ كَانَ بَاقِيًا. وَإِنْ أَتْلَفَهُ السَّفِيهُ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَلَا شَيْءَ عَلَى السَّفِيهِ.

وَكَذَلِكَ مَا أَخَذَ مِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت