فهرس الكتاب

الصفحة 2835 من 3896

وَيُمَيِّزُ بَيْنَ الْإِكْرَامِ وَضِدِّهِ، فَمَالَ إلَى أَحَدِ الْأَبَوَيْنِ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَرْفَقُ بِهِ، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، فَقُدِّمَ بِذَلِكَ وَقَيَّدْنَاهُ بِالسَّبْعِ ; لِأَنَّهَا أَوَّلُ حَالٍ أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ ; وَلِأَنَّ الْأُمَّ قُدِّمَتْ فِي حَالِ الصِّغَرِ، لِحَاجَتِهِ إلَى حَمْلِهِ، وَمُبَاشَرَةِ خِدْمَتِهِ، لِأَنَّهَا أَعْرَفُ بِذَلِكَ، وَأَقْوَمُ بِهِ، فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ، تَسَاوَى وَالِدَاهُ، لَقُرْبِهِمَا مِنْهُ، فَرَجَّحَ بِاخْتِيَارِهِ.

(6539) فَصْلٌ: وَمَتَى اخْتَارَ أَحَدَهُمَا فَسُلِّمَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، رُدَّ إلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فَاخْتَارَ الْأَوَّلَ، أُعِيدَ إلَيْهِ، هَكَذَا أَبَدًا كُلَّمَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا صَارَ إلَيْهِ ; لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ شَهْوَةٍ، لَحَظِّ نَفْسِهِ، فَاتَّبَعَ مَا يَشْتَهِيه، كَمَا يَتَّبِعُ مَا يَشْتَهِيه فِي الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، وَقَدْ يَشْتَهِي الْمُقَامَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا فِي وَقْتٍ، وَعِنْدَ الْآخَرِ فِي وَقْتٍ، وَقَدْ يَشْتَهِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُمَا وَإِنْ خَيَّرْنَاهُ، فَلَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، أَوْ اخْتَارَهُمَا مَعًا، قُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ ; لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى حَضَانَتِهِ، فَقُدِّمَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ، فَإِذَا قُدِّمَ بِهَا، ثُمَّ اخْتَارَ الْآخَرَ، رُدَّ إلَيْهِ ; لِأَنَّنَا قَدَّمْنَا اخْتِيَارَهُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ، فَعَلَى الْقُرْعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلٌ أَوْلَى.

(6540) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مَعْدُومًا، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، وَحَضَرَ غَيْرُهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَابْنِهِ، قَامَ مَقَامَ الْأَبِ فَيُخَيَّرُ الْغُلَامُ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَصَبَتِهِ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَيَّرَ عُمَارَةَ الْجَرْمِيَّ بَيْنَ أُمِّهِ وَعَمِّهِ وَلِأَنَّهُ عَصَبَةٌ، فَأَشْبَهَ الْأَبَ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَعْدُومَةً، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَسُلِّمَ إلَى الْجَدَّةِ، خُيِّرَ الْغُلَامُ بَيْنهَا وَبَيْنَ أَبِيهِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْعَصَبَاتِ، فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ مَعْدُومَيْنِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَسُلِّمَ إلَى امْرَأَةٍ كَأُخْتِهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَامَتْ مَقَامَ أُمِّهِ، فِي التَّخْيِيرِ بَيْنهَا وَبَيْنَ عَصَبَاتِهِ، لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْأَبَوَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْأَبَوَانِ رَقِيقَيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ أَقَارِبه سِوَاهُمَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا حَضَانَةَ لَهُمَا عَلَيْهِ، وَلَا نَفَقَةَ لَهُ عَلَيْهِمَا، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَيُسَلَّمُ إلَى مِنْ يَحْضُنُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ.

(6541) فَصْلٌ: وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ الْغُلَامُ بِشَرْطَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْحَضَانَةِ، كَانَ كَالْمَعْدُومِ، وَيُعَيَّنُ الْآخَرُ. الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ الْغُلَامُ مَعْتُوهًا، فَإِنْ كَانَ مَعْتُوهًا كَانَ عِنْدَ الْأُمِّ، وَلَمْ يُخَيَّرْ ; لِأَنَّ الْمَعْتُوهَ بِمَنْزِلَةِ الطِّفْلِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِكَفَالَةِ وَلَدِهَا الْمَعْتُوهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَلَوْ خُيِّرَ الصَّبِيُّ، فَاخْتَارَ أَبَاهُ، ثُمَّ زَالَ عَقْلُهُ، رُدَّ إلَى الْأُمِّ، وَبَطَلَ اخْتِيَارُهُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا خُيِّرَ حِينَ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ، فَإِذَا زَالَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ، كَانَتْ الْأُمُّ أَوْلَى ; لِأَنَّهَا أَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَقْوَمُ بِمَصَالِحِهِ، كَمَا فِي حَالِ طُفُولِيَّتِهِ.

(6542) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا بَلَغْت الْجَارِيَةُ سَبْعَ سِنِينَ، فَالْأَبُ أَحَقُّ بِهَا)

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُخَيَّرُ كَالْغُلَامِ ; لِأَنَّ كُلَّ سِنٍّ خُيِّرَ فِيهِ الْغُلَامُ خُيِّرَتْ فِيهِ الْجَارِيَةُ، كَسِنِّ الْبُلُوغِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا، حَتَّى تُزَوَّجَ أَوْ تَحِيضَ وَقَالَ مَالِكٌ: الْأُمُّ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى تُزَوَّجَ وَيَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ ; لِأَنَّهَا لَا حُكْمِ لِاخْتِيَارِهَا، وَلَا يُمْكِنُ انْفِرَادُهَا، فَكَانَتْ الْأُمُّ أَحَقَّ بِهَا، كَمَا قَبْلَ السَّبْعِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت