فهرس الكتاب

الصفحة 960 من 3896

لِلْمُحْرِمِ تَنَاوُلُهُ، نِيئًا كَانَ أَوْ قَدْ مَسَّتْهُ النَّارُ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَكَانَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ لَا يَرَوْنَ بِمَا مَسَّتْ النَّارُ مِنْ الطَّعَامِ بَأْسًا، سَوَاءٌ ذَهَبَ لَوْنُهُ وَرِيحُهُ وَطَعْمُهُ، أَوْ بَقِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ ; لِأَنَّهُ بِالطَّبْخِ. اسْتَحَالَ عَنْ كَوْنِهِ طِيبًا.

وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ بِأَكْلِ الخشكنانج الْأَصْفَرِ بَأْسًا، وَكَرِهَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَلَنَا، أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ، وَالتَّرَفُّهَ بِهِ، حَاصِلٌ مِنْ حَيْثُ الْمُبَاشَرَةُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ نِيئًا، وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الطِّيبِ رَائِحَتُهُ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَقَوْلُ مَنْ أَبَاحَ الخشكنانج الْأَصْفَرَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ رَائِحَةٌ، فَإِنَّ مَا ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ وَطَعْمُهُ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ إلَّا اللَّوْنُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ، لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ. لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، سِوَى أَنَّ الْقَاسِمَ وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ، كَرِهَا الخشكنانج الْأَصْفَرَ. وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا بَقِيَتْ رَائِحَتُهُ ; لِيَزُولَ الْخِلَافُ. فَإِنْ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ، لَكِنْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ وَطَعْمُهُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.

وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَكَرِهَ مَالِكٌ، وَالْحُمَيْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، الْمِلْحَ الْأَصْفَرَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَمَا لَمْ تَمَسَّهُ.

وَلَنَا، أَنَّ الْمَقْصُودَ الرَّائِحَةُ، فَإِنَّ الطِّيبَ إنَّمَا كَانَ طِيبًا لِرَائِحَتِهِ، لَا لِلَوْنِهِ، فَوَجَبَ دَوَرَانُ الْحُكْمِ مَعَهَا دُونَهُ.

(2363) فَصْلٌ: فَإِنْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ، وَبَقِيَ لَوْنُهُ وَطَعْمُهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ إبَاحَتُهُ ; لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهَا الْمَقْصُودُ، فَيَزُولُ الْمَنْعُ بِزَوَالِهَا. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ، صَالِحٍ تَحْرِيمُهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْقَاضِي: مُحَالٌ أَنْ تَنْفَكَّ الرَّائِحَةُ عَنْ الطَّعْمِ، فَمَتَى بَقِيَ الطَّعْمُ دَلَّ عَلَى بَقَائِهَا، فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ.

(2364) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَدَّهِنُ بِمَا فِيهِ طِيبٌ، وَمَا لَا طِيبَ فِيهِ)

أَمَّا الْمُطَيِّبُ مِنْ الْأَدْهَانِ، كَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالزَّنْبَقِ وَالْخَيْرِيِّ وَاللِّينُوفَرِ، فَلِيس فِي تَحْرِيمِ الِادِّهَانِ بِهِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَكَرِهَ مَالِكٌ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، الِادِّهَانَ بِدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ بِطِيبٍ. وَلَنَا، أَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ، وَتُقْصَدُ رَائِحَتُهُ، فَكَانَ طِيبًا، كَمَاءِ الْوَرْدِ. فَأَمَّا مَا لَا طِيبَ فِيهِ، كَالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ وَالسَّمْنِ وَالشَّحْمِ وَدُهْنِ الْبَانِ السَّاذَجِ، فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ، قَالَ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الْمُحْرِمِ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ وَالشَّيْرَجِ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يَدَّهِنُ بِهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ. وَيَتَدَاوَى الْمُحْرِمُ بِمَا يَأْكُلُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَدْهُنَ بَدَنَهُ بِالشَّحْمِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ.

وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ جَوَازَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَعَطَاءٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَغَيْرِهِمْ. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: الزَّيْتُ الَّذِي يُؤْكَلُ لَا يَدْهُنُ الْمُحْرِمُ بِهِ رَأْسَهُ. فَظَاهِرُ هَذَا، أَنَّهُ لَا يَدْهُنُ رَأْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْهَانِ. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ يُزِيلُ الشُّعْثَ، وَيُسَكِّنُ الشَّعْرَ.

فَأَمَّا دَهْنُ سَائِرِ الْبَدَنِ، فَلَا نَعْلَمُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ مَنْعًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا إجْمَاعَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبَاحَتِهِ فِي الْيَدَيْنِ، وَإِنَّمَا الْكَرَاهَةُ فِي الرَّأْسِ خَاصَّةً ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّعْرِ.

وَقَالَ الْقَاضِي: فِي إبَاحَتِهِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ رِوَايَتَانِ ; فَإِنْ فَعَلَهُ فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ، سَوَاءٌ دَهَنَ رَأْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت