الصُّفْرَةِ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِك كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّك. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي لَفْظٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، {أَحْرَمْت بِالْعُمْرَةِ، وَعَلَيَّ هَذِهِ الْجُبَّةُ} . فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ مَسْأَلَتِهِ عَمَّا يَصْنَعُ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِزٍ إجْمَاعًا، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ، وَالْجَاهِلُ وَالنَّاسِي وَاحِدٌ، وَلِأَنَّ الْحَجَّ عِبَادَةٌ يَجِبُ بِإِفْسَادِهَا الْكَفَّارَةُ، فَكَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ أَنَّهُ مَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ، كَالصَّوْمِ، فَأَمَّا الْحَلْقُ وَقَتْلُ الصَّيْدِ، فَهُوَ إتْلَافٌ لَا يُمْكِنُ رَدُّ تَلَافِيهِ، بِإِزَالَتِهِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ النَّاسِيَ مَتَى ذَكَرَ، فَعَلَيْهِ غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ اللِّبَاسِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ عَنْ زَمَنِ الْإِمْكَانِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِدَامَةُ الطِّيبِ هَاهُنَا، كَاَلَّذِي يَتَطَيَّبُ قَبْلَ إحْرَامِهِ ؟ قُلْنَا: لِأَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ اسْتَدَامَتْهُ، وَهَا هُنَا هُوَ مُحْرِمٌ، وَإِنَّمَا سَقَطَ حُكْمُهُ بِالنِّسْيَانِ أَوْ الْجَهْلِ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ حُكْمُهُ.
وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إزَالَتُهُ، لِإِكْرَاهٍ أَوْ عِلَّةٍ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُزِيلُهُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَجَرَى مَجْرَى الْمُكْرَهِ عَلَى الطِّيبِ ابْتِدَاءً. وَحُكْمُ الْجَاهِلِ إذَا عَلِمَ، حُكْمُ النَّاسِي إذَا ذَكَرَ، وَحُكْمُ الْمُكْرَهِ حُكْمُ النَّاسِي، فَإِنَّ مَا عُفِيَ عَنْهُ بِالنِّسْيَانِ، عُفِيَ عَنْهُ بِالْإِكْرَاهِ ; لِأَنَّهُمَا قَرِينَانِ فِي الْحَدِيثِ الدَّالِ عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُمَا. وَقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: {يَفْرَغُ إلَى التَّلْبِيَةِ} . أَيْ يُلَبِّي حِينَ ذَكَرَ اسْتِذْكَارًا لِلْحَجِّ أَنَّهُ نَسِيَهُ، وَاسْتِشْعَارًا بِإِقَامَتِهِ عَلَيْهِ وَرُجُوعِهِ إلَيْهِ. وَهَذَا قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
(2662) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، أَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ نَهَارًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُقُوفُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ; لِيَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْوُقُوفِ. فَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَلَمْ يَعُدْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ; احْتِجَاجًا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرَّسٍ، وَلِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ الْوُقُوفِ مَا أَجْزَأَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ مُنْفَرِدًا.
وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَقَدْ قَالَ: {خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ} . فَإِذَا تَرَكَهُ لَزِمَهُ ; دَمٌ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّهُ رُكْنٌ لَمْ يَأْتِ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، فَلَزِمَهُ دَمٌ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ، وَحَدِيثُهُمْ دَلَّ عَلَى الْإِجْزَاءِ، وَالْكَلَامُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ. فَأَمَّا إذَا وَقَفَ فِي اللَّيْلِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ دَمٌ ; لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ اللَّيْلَ وَحْدَهُ لَا يُمْكِنُهُ الْوُقُوفُ نَهَارًا، فَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِ دَمٌ، بِخِلَافِ مَنْ أَدْرَكَ نَهَارًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَوْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ} . فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَوْجَبَ بِذَلِكَ دَمًا، وَإِنْ دَفَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ. وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: سَمِعْته يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ قَبْل الْإِمَامِ مِنْ عَرَفَةَ بَعْدَمَا غَابَتْ الشَّمْسُ ؟ فَقَالَ: مَا وَجَدْت أَحَدًا سَهَّلَ فِيهِ، كُلُّهُمْ يُشَدِّدُ فِيهِ. قَالَ: وَمَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْفَعَ إلَّا مَعَ الْإِمَامِ، وَعَنْ عَطَاءٍ، عَلَيْهِ شَاةٌ إذَا دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ. قِيلَ: فَيَدْفَعُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْإِمَامِ ؟ فَقَالَ: الْمُزْدَلِفَةُ عِنْدِي غَيْرُ عَرَفَةَ. وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ دَفَعَ قَبْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُ الْخِرَقِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يُوجِبْ بِذَلِكَ شَيْئًا، وَلَا عَدَّ الدَّفْعَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ. وَهُوَ الصَّحِيحُ ; فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْإِمَامِ وَأَفْعَالَ النُّسُكِ مَعَهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فِي سَائِرِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، فَكَذَا