بَيْتٍ مِنْ دَارٍ، أَوْ فِي بَلْدَةٍ، فَهُوَ فِي الدَّارِ وَالْبَلْدَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} . وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ أَقْطَارِهَا. ثُمَّ لَوْ اقْتَضَى هَذَا الْعُمُومَ، لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ، فَإِنَّ مَا دُونَ النِّصَابِ مَالٌ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ.
فَإِنْ حَلَفَ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهُ دَيْنٌ، حَنِثَ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ حَوْلُ الزَّكَاةِ، وَيَصِحُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ، وَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالْمُعَاوَضَةِ عَنْهُ لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَالتَّوْكِيلِ فِي اسْتِيفَائِهِ، فَيَحْنَثُ بِهِ، كَالْمُودَعِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ مَغْصُوبٌ، حَنِثَ ; لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ. وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ضَائِعٌ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: يَحْنَثُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى مِلْكِهِ.
وَالثَّانِي، لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ. وَإِنْ ضَاعَ عَلَى وَجْهٍ قَدْ يَئِسَ مِنْ عَوْدِهِ، كَاَلَّذِي يَسْقُطُ فِي بَحْرٍ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ وُجُودَهُ كَعَدَمِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِ مَالِهِ، كَالْمَجْحُودِ، وَالْمَغْصُوبِ، وَاَلَّذِي عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ ; لِأَنَّهُ لَا نَفْعَ فِيهِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمَعْدُومِ، فِي جَوَازِ الْأَخْذِ مِنْ الزَّكَاةِ، وَانْتِفَاءِ وُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَيْهِ عَنْهُ. وَإِنْ تَزَوَّجَ لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّ مَا يَمْلِكُهُ لَيْسَ بِمَالٍ. وَإِنْ وَجَبَ لَهُ حَقُّ شُفْعَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ الْمِلْكُ بِهِ. وَإِنْ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا أَوْ غَيْرَهُ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَالِكًا لِمَالٍ.
(8144) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ الشَّحْمَ، أَوْ الْمُخَّ، أَوْ الدِّمَاغَ، لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ، فَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الشَّحْمِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ أَكْلِ اللَّحْمِ، لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ مَا لَيْسَ بِلَحْمٍ، مِنْ الشَّحْمِ وَالْمُخِّ، وَهُوَ الَّذِي فِي الْعِظَامِ، وَالدِّمَاغِ، وَهُوَ الَّذِي فِي الرَّأْسِ فِي قِحْفِهِ، وَلَا الْكَبِدِ وَالطِّحَالِ، وَالرِّئَةِ، وَالْقَلْبِ، وَالْكَرِشِ، وَالْمُصْرَانِ، وَالْقَانِصَةِ، وَنَحْوِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ هَذَا كُلِّهِ ; لِأَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ مَا يُتَّخَذُ مِنْ اللَّحْمِ، فَأَشْبَهَ لَحْمَ الْفَخِذِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَحْمًا، وَيَنْفَرِدُ عَنْهُ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، وَلَوْ أَمَرَ وَكِيلَهُ بِشِرَاءِ لَحْمٍ، فَاشْتَرَى هَذَا، لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِأَمْرِهِ، وَلَا يَنْفُذُ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ، كَالْبَقْلِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ لَيْسَتَا بِلَحْمٍ، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ; أَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ} . وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً، بَلْ هُوَ مِنْ الْحَيَوَانِ مَعَ اللَّحْمِ، كَالْعَظْمِ وَالدَّمِ. فَأَمَّا إنْ قَصَدَ اجْتِنَابَ الدَّسَمِ، حَنِثَ بِأَكْلِ الشَّحْمِ ; لِأَنَّ لَهُ دَسَمًا، وَكَذَلِكَ الْمُخُّ، وَكُلُّ مَا فِيهِ دَسَمٌ.
(8145) فَصْلٌ: وَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ الْأَلْيَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: يَحْنَثُ ; لِأَنَّهَا نَابِتَةٌ فِي اللَّحْمِ، وَتُشْبِهُهُ فِي الصَّلَابَةِ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّهَا لَا تُسَمَّى لَحْمًا، وَلَا يُقْصَدُ بِهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ، وَتُخَالِفُهُ فِي اللَّوْنِ وَالذَّوْبِ وَالطَّعْمِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهَا، كَشَحْمِ الْبَطْنِ. فَأَمَّا الشَّحْمُ الَّذِي عَلَى الظَّهْرِ وَالْجَنْبِ وَفِي تَضَاعِيفِ اللَّحْمِ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِهِ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. فَإِنَّهُ قَالَ: اللَّحْمُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ. يُشِيرُ إلَى مَا يُخَالِطُ اللَّحْمَ مِمَّا تُذِيبُهُ النَّارُ، وَهَذَا كَذَلِكَ.