الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرُوِيَ فِي (الْمُسْنَدِ) ، عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: أُصُولُ السُّنَنِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ، هَذَا أَحَدُهَا.
وَهَذَا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا ; لِأَنَّهُ حَالُ عِبَادَةٍ وَاسْتِشْعَارٍ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُشْبِهُ الِاعْتِكَافَ، وَقَدْ احْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ، بِأَنَّ شُرَيْحًا، رَحِمَهُ اللَّهُ، كَانَ إذَا أَحْرَمَ كَأَنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ. فَيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ تَعْلِيمٍ لِجَاهِلٍ، أَوْ يَأْمُرَ بِحَاجَتِهِ، أَوْ يَسْكُتَ، وَإِنْ تَكَلَّمَ بِمَا لَا مَأْثَمَ فِيهِ، أَوْ أَنْشَدَ شِعْرًا لَا يَقْبُحُ، فَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَا يُكْثِرُ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ:
كَأَنَّ رَاكِبَهَا غُصْنٌ بِمِرْوَحَةٍ إذَا تَدَلَّتْ بِهِ أَوْ شَارِبٌ ثَمِلُ
اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَالْفَضِيلَةُ الْأَوَّلُ.
(2320) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا يَتَفَلَّى الْمُحْرِمُ، وَلَا يَقْتُلُ الْقَمْلَ، وَيَحُكُّ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ حَكًّا رَفِيقًا)
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي إبَاحَةِ قَتْلِ الْقَمْلِ ; فَعَنْهُ إبَاحَتُهُ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَكْثَرِ الْهَوَامِّ أَذًى، فَأُبِيحَ قَتْلُهُ، كَالْبَرَاغِيثِ وَسَائِرِ مَا يُؤْذِي، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ} . يَدُلُّ بِمَعْنَاهُ عَلَى إبَاحَةِ قَتْلِ كُلِّ مَا يُؤْذِي بَنِي آدَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَعَنْهُ أَنَّ قَتْلَهُ مُحَرَّمٌ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ ; لِأَنَّهُ يَتَرَفَّهُ بِإِزَالَتِهِ عَنْهُ، فَحُرِّمَ كَقَطْعِ الشَّعْرِ، وَلِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: احْلِقْ رَأْسَك} . فَلَوْ كَانَ قَتْلُ الْقَمْلِ أَوْ إزَالَتُهُ مُبَاحًا، لَمْ يَكُنْ كَعْبٌ لِيَتْرُكهُ حَتَّى يَصِيرَ كَذَلِكَ، أَوْ لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِإِزَالَتِهِ خَاصَّةً.
وَالصِّئْبَانُ كَالْقَمْلِ فِي ذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَتْلِ الْقَمْلِ، أَوْ إزَالَتِهِ بِإِلْقَائِهِ عَلَى الْأَرْضِ، أَوْ قَتْلِهِ بِالزِّئْبَقِ، فَإِنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَحْرُمْ لِحُرْمَتِهِ، لَكِنْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ، فَعَمَّ الْمَنْعُ إزَالَتَهُ كَيْفَمَا كَانَتْ. وَلَا يَتَفَلَّى، فَإِنَّ التَّفَلِّيَ عِبَارَةٌ عَنْ إزَالَةِ الْقَمْلِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. وَيَجُوزُ لَهُ حَكُّ رَأْسِهِ، وَيَرْفُقُ فِي الْحَكِّ، كَيْ لَا يَقْطَعَ شَعْرًا، أَوْ يَقْتُلَ قَمْلَةً، فَإِنْ حَكَّ فَرَأَى فِي يَده شَعْرًا، أَحْبَبْنَا أَنْ يَفْدِيَهُ احْتِيَاطًا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَلَعَهُ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّمَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْقَمْلِ الَّذِي فِي شَعْرِهِ، فَأَمَّا مَا أَلْقَاهُ مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ. (2321)
فَصْلٌ: فَإِنْ خَالَفَ وَتَفَلَّى، أَوْ قَتَلَ قَمْلًا، فَلَا فِدْيَةَ فِيهِ ; فَإِنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حِينَ حَلَقَ رَأْسَهُ، قَدْ أَذْهَبَ قَمْلًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ لِذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْفِدْيَةُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ، وَلِأَنَّ الْقَمْلَ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَأَشْبَهَ الْبَعُوضَ وَالْبَرَاغِيثَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَلَا هُوَ مَأْكُولٌ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: هِيَ أَهْوَنُ مَقْتُولٍ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ مُحْرِمٍ أَلْقَى قَمْلَةً، ثُمَّ طَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا. فَقَالَ: تِلْكَ ضَالَّةٌ لَا تُبْتَغَى. وَهَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ فِي مَنْ قَتَلَ قَمْلَةً، قَالَ: يُطْعِمُ شَيْئًا. فَعَلَى هَذَا أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ أَجْزَاهُ، سَوَاءٌ قَتَلَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا. وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ: تَمْرَةٌ فَمَا فَوْقَهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: حَفْنَةٌ مِنْ طَعَامٍ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ. وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى مَا قُلْنَاهُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ التَّقْدِيرَ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّقْرِيبِ لِأَقَلِّ مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ.