فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِمُعَيَّنٍ، فَاسْتُحِقَّ بَعْضُهُ أَوْ هَلَكَ، فَلَهُ مَا بَقِيَ مِنْهُ، إنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ عَبْدٍ أَوْ ثُلُثِ دَارٍ، فَاسْتُحِقَّ الثُّلُثَانِ مِنْهُ، فَالثُّلُثُ الْبَاقِي لِلْمُوصَى لَهُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّ الْبَاقِيَ كُلَّهُ مُوصًى بِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ، فَاسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ شَيْئًا مُعَيَّنًا. وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِثُلُثِ ثَلَاثَةِ أَعْبُدٍ، فَهَلَكَ عَبْدَانِ، أَوْ اُسْتُحِقَّا، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا ثُلُثُ الْبَاقِي. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوصِ لَهُ مِنْ الْبَاقِي بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَقَدْ شَرَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَتِهِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ.
(4801) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ فَلَمْ يَأْخُذْهُ زَمَانًا، قُوِّمَ وَقْتَ الْمَوْتِ، لَا وَقْتَ الْأَخْذِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي قِيمَةِ الْمُوصَى بِهِ وَخُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ عَدَمِ خُرُوجِهَا، بِحَالَةِ الْمَوْتِ ; لِأَنَّهَا حَالُ لُزُومِ الْوَصِيَّةِ، فَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَالِ فِيهَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. فَيُنْظَرُ ; فَإِنْ كَانَ الْمُوصَى بِهِ وَقْتَ الْمَوْتِ ثُلُثَ التَّرِكَةِ، أَوْ دُونَهُ، نَفَذَتْ الْوَصِيَّةُ، وَاسْتَحَقَّهُ الْمُوصَى لَهُ كُلَّهُ. فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ حَتَّى صَارَ مُعَادِلًا لِسَائِرِ الْمَالِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ هَلَكَ الْمَالُ كُلُّهُ سِوَاهُ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ، لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ حِينَ الْمَوْتِ زَائِدًا عَنْ الثُّلُثِ، فَلِلْمُوصَى لَهُ مِنْهُ قَدْرُ ثُلُثِ الْمَالِ. فَإِنْ كَانَ نِصْفَ الْمَالِ، فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَاهُ. وَإِنْ كَانَ ثُلُثَيْهِ، فَلِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُهُ. وَإِنْ كَانَ نِصْفَ الْمَالِ وَثُلُثَهُ، فَلِلْمُوصَى لَهُ خُمُسَاهُ. فَإِنْ نَقَصَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ، أَوْ نَقَصَ سَائِرُ الْمَالِ أَوْ زَادَ، فَلَيْسَ لِلْمُوصَى لَهُ سِوَى مَا كَانَ لَهُ حِينَ الْمَوْتِ. فَلَوْ وَصَّى بِعَبْدٍ قِيمَتُهُ مِائَةٌ، وَلَهُ مِائَتَانِ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، فَهُوَ لِلْمُوصَى لَهُ كُلُّهُ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ حِينَ الْمَوْتِ مِائَتَيْنِ، لِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثَاهُ ; لِأَنَّهُمَا ثُلُثُ الْمَالِ. فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى صَارَ يُسَاوِي مِائَةً لَمْ يَزِدْ حَقُّ الْمُوصَى لَهُ عَنْ ثُلُثِهِ شَيْئًا، إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ، فَلِلْمُوصَى لَهُ نِصْفُهُ، لَا يُزَادُ حَقُّهُ عَنْ ذَلِكَ، سَوَاءٌ نَقَصَ الْعَبْدُ أَوْ زَادَ. أَوْ نَقَصَ الْمَالُ أَوْ زَادَ.
(4802) فَصْلٌ: وَالْعَطَايَا فِي مَرَضِهِ يُعْتَبَرُ خُرُوجُهَا مِنْ الثُّلُثِ حِينَ الْمَوْتِ. نَقَلَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ، فِي مَنْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَعَبْدٌ قِيمَتُهُ أَلْفٌ، فَأَعْتَقَ الْعَبْدَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَأَنْفَقَ الدَّرَاهِمَ: عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ ثُلُثُهُ. فَاعْتَبَرَ مَالَهُ حِينَ الْمَوْتِ مِنْ الْعَبْدِ لَا فِيمَا قَبْلَهُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِينَ الْمَوْتِ إلَّا الْعَبْدُ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ إلَّا ثُلُثُهُ، وَلَوْ لَمْ يَتْلَفْ الْأَلْفُ، لَعَتَقَ مِنْهُ ثُلُثَاهُ. وَلَوْ زَادَ مَالُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ حَتَّى بَلَغَ أَلْفَيْنِ، لَعَتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لِخُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ. وَإِنْ كَسَبَ الْعَبْدُ شَيْئًا، كَانَ كَسْبُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَرَثَةِ، عَلَى قَدْرِ مَا فِيهِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ، وَيَدْخُلُهُ الدَّوْرُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى. وَإِنْ تَلَفَ مِنْ التَّرِكَةِ شَيْءٌ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ عَلَى الْوَرَثَةِ، حُسِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّرِكَةِ.
(4803) فَصْلٌ: وَإِنْ وَصَّى بِمُعَيَّنٍ حَاضِرٍ، وَسَائِرِ مَالِهِ دِينٌ أَوْ غَائِبٌ، فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَخْذُ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ قُدُومِ الْغَائِبِ أَوْ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَلِفَ، فَلَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ فِي الْمُعَيَّنِ كُلِّهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ لِلْوَصِيِّ ثُلُثَ الْمُعَيَّنِ. ذَكَرَهُ فِي الْمُدَبَّرِ. وَقِيلَ: لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ ; لِأَنَّ الْوَرَثَةَ شُرَكَاؤُهُ فِي التَّرِكَةِ، فَلَا يَحْصُلُ لَهُ