وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنِ، إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ غُرْمُ مِثْلِهَا، وَتَعْتِقُ، وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ، فَعَلَيْهِ غُرْمُ مِثْلِهَا وَيَمْلِكُهَا ; لِأَنَّ هَذَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، أَنَّ {رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ، وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَرُفِعَ إلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ، فَقَالَ: لَأَقْضِيَنَّ فِيك بِقَضِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَك، جَلَدْنَاك مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَك، رَجَمْنَاك بِالْحِجَارَةِ. فَوَجَدُوهَا أَحَلَّتْهَا لَهُ، فَجَلَدَهُ مِائَةً.} وَإِنْ عَلِقَتْ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ، فَهَلْ يَلْحَقُهُ النَّسَبُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا، يَلْحَقُ بِهِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ، فَلَحِقَ بِهِ النَّسَبُ، كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَالْأُخْرَى، لَا يَلْحَقُ بِهِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الزِّنَى الْمَحْضَ.
(7166) فَصْلٌ: وَلَا حَدَّ عَلَى مُكْرَهَةٍ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ مُخَالِفًا ; وَذَلِكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ} . وَعَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ {، أَنَّ امْرَأَةً اُسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ} . رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. قَالَ: وَأُتِيَ عُمَرُ بِإِمَاءٍ مِنْ إمَاءِ الْإِمَارَةِ، اسْتَكْرَهَهُنَّ غِلْمَانٌ مِنْ غِلْمَانِ الْإِمَارَةِ، فَضَرَبَ الْغِلْمَانَ، وَلَمْ يَضْرِبْ الْإِمَاءَ وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ: قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بِامْرَأَةٍ قَدْ زَنَتْ، فَقَالَتْ: إنِّي كُنْت نَائِمَةً، فَلَمْ أَسْتَيْقِظْ إلَّا بَرْجَلٍ قَدْ جَثَمَ عَلَيَّ. فَخَلَّى سَبِيلَهَا، وَلَمْ يَضْرِبْهَا. وَلِأَنَّ هَذَا شُبْهَةٌ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِكْرَاهِ بِالْإِلْجَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَغْلِبَهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَبَيْنَ الْإِكْرَاهِ بِالتَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رَاعٍ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، قَدْ عَطِشَتْ، فَسَأَلَتْهُ أَنْ يَسْقِيَهَا، فَقَالَ لَهَا: أَمْكِنِينِي مِنْ نَفْسِك. قَالَ: هَذِهِ مُضْطَرَّةٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً اسْتَسْقَتْ رَاعِيًا، فَأَبَى أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَعَلِيٍّ: مَا تَرَى فِيهَا ؟ قَالَ: إنَّهَا مُضْطَرَّةٌ. فَأَعْطَاهَا عُمَرُ شَيْئًا، وَتَرَكَهَا.
(7167) فَصْلٌ: وَإِنْ أُكْرِهَ الرَّجُلُ فَزَنَى، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: عَلَيْهِ الْحَدُّ. وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو ثَوْرٍ ; لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالِانْتِشَارِ، وَالْإِكْرَاهُ يُنَافِيهِ. فَإِذَا وُجِدَ الِانْتِشَارُ انْتَفَى الْإِكْرَاهُ، فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى غَيْرِ الزِّنَى، فَزَنَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكْرَهَهُ غَيْرُهُ، حُدَّ اسْتِحْسَانًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَالْإِكْرَاهُ شُبْهَةٌ، فَيَمْنَعُ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ كَانَتْ امْرَأَةً، يُحَقِّقُهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ، إذَا كَانَ بِالتَّخْوِيفِ، أَوْ بِمَنْعِ مَا تَفُوتُ حَيَاتُهُ بِمَنْعِهِ، كَانَ الرَّجُلُ فِيهِ كَالْمَرْأَةِ، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْحَدُّ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّخْوِيفَ يُنَافِي الِانْتِشَارَ. لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ التَّخْوِيفَ بِتَرْكِ الْفِعْلِ، وَالْفِعْلُ لَا يُخَافُ مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ. وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(7168) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ تَلَوَّطَ، قُتِلَ، بِكْرًا كَانَ أَوْ ثَيِّبًا، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى حُكْمُهُ حُكْمُ الزَّانِي)