وَآخَرُ فَرْعًا عَلَى شَاهِدِ أَصْلٍ آخَرَ، لَمْ تُفِدْ شَهَادَتُهُ الْفَرْعِيَّةُ شَيْئًا، وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ حُكْمَ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَتِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ.
(8415) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَشْهَدُ عَلَى مَنْ سَمِعَهُ يُقِرُّ بِحَقِّ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِلشَّاهِدِ: اشْهَدْ عَلَى)
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَالْمَذْهَبُ مَا ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، لَا يَشْهَدُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ الْمُقِرُّ: اشْهَدْ عَلَى.
كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلٍ حَتَّى يَسْتَرْعِيَهُ إيَّاهَا، وَيَقُولَ لَهُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي. وَعَنْهُ، رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، إذَا سَمِعَهُ يُقِرُّ بِقَرْضٍ، لَا يَشْهَدُ، وَإِذَا سَمِعَهُ يُقِرُّ بِدَيْنٍ، يَشْهَدُ ; لِأَنَّ الْمُقِرَّ بِالدَّيْنِ مُعْتَرِفٌ أَنَّهُ عَلَيْهِ، وَالْمُقِرَّ بِالْقَرْضِ لَا يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اقْتَرَضَ مِنْهُ، ثُمَّ وَفَّاهُ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ، إذَا سَمِعَ شَيْئًا، فَدُعِيَ إلَى الشَّهَادَةِ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ شَهِدَ، وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَدْ. قَالَ: وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا أُشْهِدَ إذَا دُعِيَ، {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا} . قَالَ: إذَا أُشْهِدُوا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إذَا سَمِعَ رَجُلًا يُقِرُّ لَرَجُلٍ بِحَقٍّ، وَلَمْ يَقُلْ: اشْهَدْ عَلَيَّ بِذَلِكَ. وَسَمِعَ الشَّاهِدَ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: أَشْهَدُ أَنِّي حَضَرْت إقْرَارَ فُلَانٍ بِكَذَا. وَلَا يَقُولَ: أَشْهَدُ عَلَى إقْرَارِهِ. وَإِنْ سَمِعَهُ يَقُولُ: اقْتَرَضْت مِنْ فُلَانٍ، أَوْ قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الشَّاهِدَ يَشْهَدُ بِمَا عَلِمَهُ، وَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِسَمَاعِهِ، فَجَازَ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا رَآهُ مِنْ الْأَفْعَالِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ فِي الْأَفْعَالِ رِوَايَتَيْنِ ; إحْدَاهُمَا، لَا يَشْهَدُ بِهِ حَتَّى يَقُولَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: اشْهَدْ. وَهَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، فَلَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى مَنْعِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّ الْغَاصِبَ لَا يَقُولُ لَأَحَدٍ: اشْهَدْ عَلَى أَنِّي أَغْصِبُ. وَلَا السَّارِقُ، وَلَا الزَّانِي، وَلَا الْقَاتِلُ، وَأَشْبَاهُ هَؤُلَاءِ. وَقَدْ شَهِدَ أَبُو بَكْرَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْمُغِيرَةِ بِالزِّنَى، فَلَمْ يَقُلْ عُمَرُ: هَلْ أَشْهَدَكُمْ أَوْ لَا.
وَلَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَلَا قَالَ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى قُدَامَةَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلَا قَالَهُ عُمَرُ لِلَّذِينَ شَهِدُوا عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ. وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْأَفْعَالُ الَّتِي تَكُونُ بِالتَّرَاضِي، كَالْقَرْضِ، وَالْقَبْضِ فِيهِ، وَفِي الرَّهْنِ وَالْبَيْعِ، وَالِافْتِرَاقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، جَازَ.
(8416) فَصْلٌ: وَلَوْ حَضَرَ شَاهِدَانِ حِسَابًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، شَرَطَا عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَحْفَظَا عَلَيْهِمَا شَيْئًا، كَانَ لِلشَّاهِدَيْنِ أَنْ يَشْهَدَا بِمَا سَمِعَاهُ مِنْهُمَا، وَلَمْ يُسْقِطْ ذَلِكَ شَرْطَهُمَا ; لِأَنَّ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِمَا سَمِعَهُ أَوْ عَلِمَهُ، وَذَلِكَ قَدْ حَصَلَ لَهُ، سَوَاءٌ أَشَهِدَهُ أَوْ سَمِعَهُ، وَكَذَلِكَ يَشْهَدَانِ عَلَى الْعُقُودِ بِحُضُورِهَا، وَعَلَى الْجِنَايَاتِ بِمُشَاهَدَتِهَا، وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى إشْهَادٍ. وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ سِيرِينَ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ.
(8417) فَصْلٌ: وَالْحُقُوقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، حَقٌّ لِآدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، كَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، وَالنِّكَاحِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ وَالْعُقُوبَاتِ، كَالْقِصَاصِ، وَحَدِّ