فهرس الكتاب

الصفحة 1630 من 3896

رَدَّ قِيمَتِهِ، فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ قَبْضِهَا ; لِأَنَّ الْقِيمَةَ لَمْ تَثْبُتْ فِي الذِّمَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَالْمُطَالَبَةِ بِهَا، وَبَيْنَ الصَّبْرِ إلَى وَقْتِ إمْكَانِ الرَّدِّ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِالسَّعْيِ فِي رَدِّهِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْقِيمَةَ لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَيُعْتَبَرُ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلِأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ.

(3983) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ لِلْمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، فَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ، وَأَجْرُ مِثْلِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ فِي يَدَيْهِ)

هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى حُكْمَيْنِ ; أَحَدُهُمَا، وُجُوبُ رَدِّ الْمَغْصُوبِ.

وَالثَّانِي، رَدُّ أُجْرَتِهِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّ الْمَغْصُوبَ مَتَى كَانَ بَاقِيًا، وَجَبَ رَدُّهُ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ.} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا يَأْخُذْ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ صَاحِبِهِ لَاعِبًا جَادًّا، وَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. يَعْنِي أَنَّهُ يَقْصِدُ الْمَزْحَ مَعَ صَاحِبِهِ بِأَخْذِ مَتَاعِهِ، وَهُوَ جَادٌّ فِي إدْخَالِ الْغَمِّ وَالْغَيْظِ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ أَزَالَ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَزِمَهُ إعَادَتُهَا. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ رَدِّ الْمَغْصُوبِ إذَا كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ. فَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا، فَبَعَّدَهُ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ غَرِمَ عَلَيْهِ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ ; لِأَنَّهُ جَنَى بِتَبْعِيدِهِ، فَكَانَ ضَرَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: خُذْ مِنِّي أَجْرَ رَدِّهِ، وَتَسَلَّمْهُ مِنِّي هَاهُنَا. أَوْ بَذَلَ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْتَرِدُّهُ، لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكَ قَبُولُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا، كَالْبَيْعِ. وَإِنْ قَالَ الْمَالِكُ: دَعْهُ لِي فِي مَكَانِهِ الَّذِي نَقَلْتَهُ إلَيْهِ. لَمْ يَمْلِكْ الْغَاصِبُ رَدَّهُ ; لِأَنَّهُ أَسْقَطَ عَنْهُ حَقًّا فَسَقَطَ وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ، كَمَا لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنِهِ. وَإِنْ قَالَ: رُدَّهُ لِي إلَى بَعْضِ الطَّرِيقِ. لَزِمَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمَسَافَةِ، فَلَزِمَهُ بَعْضُهَا الْمَطْلُوبُ، وَسَقَطَ عَنْهُ مَا أَسْقَطَهُ.

وَإِنْ طَلَبَ مِنْهُ حَمْلَهُ إلَى مَكَان آخَرَ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الرَّدِّ، لَمْ يَلْزَمْ الْغَاصِبَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ ; لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ. وَإِنْ قَالَ: دَعْهُ فِي مَكَانِهِ، وَأَعْطِنِي أَجْرَ رَدِّهِ. لَمْ يُجْبَرْ عَلَى إجَابَتِهِ ; لِذَلِكَ. وَمَهْمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ جَازَ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمَا.

(3984) فَصْلٌ: وَإِنْ غَصَبَ شَيْئًا، فَشَغَلَهُ بِمِلْكِهِ، كَخَيْطٍ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا، أَوْ نَحْوَهُ، أَوْ حَجَرًا بَنَى عَلَيْهِ، نَظَرْنَا ; فَإِنْ بَلِيَ الْخَيْطُ، أَوْ انْكَسَرَ الْحَجَرُ، أَوْ كَانَ مَكَانَهُ خَشَبَةٌ فَتَلِفَتْ، لَمْ يَأْخُذْ بِرَدِّهِ، وَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ ; لِأَنَّهُ صَارَ هَالِكًا، فَوَجَبَتْ قِيمَتُهُ. وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ انْتَقَضَ الْبِنَاءُ، وَتَفَصَّلَ الثَّوْبُ.

وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجِبُ رَدُّ الْخَشَبَةِ وَالْحَجَرِ ; لِأَنَّهُ صَارَ تَابِعًا لِمِلْكِهِ يَسْتَضِرُّ بِقَلْعِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْ رَدُّهُ، كَمَا لَوْ غَصَبَ خَيْطًا فَخَاطَ بِهِ جُرْحَ عَبْدِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ مَغْصُوبٌ أَمْكَنَ رَدُّهُ، وَيَحُوزُ لَهُ فَوَجَبَ، كَمَا لَوْ بَعَّدَ الْعَيْنَ، وَلَا يُشْبِهُ الْخَيْطَ الَّذِي يُخَافُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْ قَلْعِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ، لِمَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ تَلَفِ الْآدَمِيِّ.

وَلِأَنَّ حَاجَتَهُ إلَى ذَلِكَ تُبِيحُ أَخْذَهُ ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ الْبِنَاءِ، وَإِنْ خَاطَ بِالْخَيْطِ جُرْحَ حَيَوَانٍ، فَذَلِكَ عَلَى أَقْسَامٍ ثَلَاثَةٍ ; أَحَدُهَا، أَنْ يَخِيطَ بِهِ جُرْحَ حَيَوَانٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ، كَالْمُرْتَدِّ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ، فَيَجِبُ نَزْعُهُ وَرَدُّهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ ذِي حُرْمَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَاطَ بِهِ ثَوْبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت