فهرس الكتاب

الصفحة 1397 من 3896

فِي الْحَاضِرِ.

وَمَتَى أُعِيدَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِدُيُونِ تَجَدَّدَتْ عَلَيْهِ، شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي إلَّا أَنَّ الْأَوَّلِينَ يَضْرِبُونَ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ، وَالْآخَرِينَ يَضْرِبُونَ بِجَمِيعِهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَدْخُلُ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَجَدَّدَتْ حُقُوقُهُمْ، حَتَّى يَسْتَوْفُوا، إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ فَائِدَةٌ مِنْ مِيرَاثٍ، أَوْ يُجْنَى عَلَيْهِ جِنَايَةٌ، فَيَتَحَاصُّ الْغُرَمَاءُ فِيهِ.

وَلَنَا، أَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي ذِمَّتِهِ، فَتَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ، كَاَلَّذِينَ تَثْبُتُ حُقُوقُهُمْ فِي حَجْرٍ وَاحِدٍ، وَكَتَسَاوِيهِمْ فِي الْمِيرَاثِ وَأَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَلِأَنَّ مَكْسَبَهُ مَالٌ لَهُ، فَتَسَاوَوْا فِيهِ، كَالْمِيرَاثِ.

(3464) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَذَكَرَ أَنَّهُ مُعْسِرٌ بِهِ، حُبِسَ إلَى أَنْ يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِعُسْرَتِهِ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌ، فَطُولِبَ بِهِ، وَلَمْ يُؤَدِّهِ، نَظَرَ الْحَاكِمُ ; فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ ظَاهِرٌ أَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ ذَكَرَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَالًا ظَاهِرًا، فَادَّعَى الْإِعْسَارَ، فَصَدَّقَهُ غَرِيمُهُ، لَمْ يُحْبَسْ، وَوَجَبَ إنْظَارُهُ، وَلَمْ تَجُزْ مُلَازَمَتُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ} . وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِغُرَمَاءِ الَّذِي كَثُرَ دَيْنُهُ: {خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ.} وَلِأَنَّ الْحَبْسَ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِإِثْبَاتِ عُسْرَتِهِ أَوْ لِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَعُسْرَتُهُ ثَابِتَةٌ، وَالْقَضَاءُ مُتَعَذِّرٌ، فَلَا فَائِدَةَ فِي الْحَبْسِ.

وَإِنْ كَذَّبَهُ غَرِيمُهُ فَلَا يَخْلُو، إمَّا أَنْ يَكُونَ عُرِفَ لَهُ مَالٌ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ لِكَوْنِ الدَّيْنِ ثَبَتَ عَنْ مُعَاوَضَةٍ، كَالْقَرْضِ وَالْبَيْعِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ أَصْلُ مَالٍ سِوَى هَذَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ غَرِيمِهِ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِذَا حَلَفَ أَنَّهُ ذُو مَالٍ، حُبِسَ حَتَّى تَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِإِعْسَارِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ وَقُضَاتِهِمْ، يَرَوْنَ الْحَبْسَ فِي الدَّيْنِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَالنُّعْمَانُ وَسَوَّارٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، وَالشَّعْبِيِّ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: يُقْسَمُ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَلَا يُحْبَسُ.

وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَلَنَا أَنَّ الظَّاهِرَ قَوْلُ الْغَرِيمِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَسَائِرِ الدَّعَاوَى. فَإِنْ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِتَلَفِ مَالِهِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ أَوْ لَمْ تَكُنْ ; لِأَنَّ التَّلَفَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ وَغَيْرُهُمْ. وَإِنْ طَلَبَ الْغَرِيمُ إحْلَافَهُ عَلَى ذَلِكَ، لَمْ يُجَبْ إلَيْهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ، وَإِنْ شَهِدَتْ مَعَ ذَلِكَ بِالْإِعْسَارِ اُكْتُفِيَ بِشَهَادَتِهَا، وَثَبَتَتْ عُسْرَتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بِعُسْرَتِهِ، وَإِنَّمَا شَهِدَتْ بِالتَّلَفِ لَا غَيْرُ، وَطَلَبَ الْغَرِيمُ يَمِينَهُ عَلَى عُسْرِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ آخَرُ، اسْتَحْلَفَ عَلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ.

وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ بِالتَّلَفِ، وَإِنَّمَا شَهِدَتْ بِالْإِعْسَارِ، لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ إلَّا مِنْ ذِي خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ، وَمَعْرِفَةٍ مُتَقَادِمَةٍ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْبَاطِنَةِ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ إلَّا أَهْلُ الْخِبْرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْإِعْسَارِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ، فَلَمْ تُسْمَعْ، كَالشَّهَادَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت