كَانَ هَذَا الْوَلَدُ مُلْحَقًا بِغَيْرِ الصَّغِيرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، أَوْ كَانَ مِنْ زِنًا لَا يَلْحَقُ بِأَحَدٍ ; لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ مِنْ كُلِّ وَطْءٍ، فَإِذَا وَضَعَتْهُ اعْتَدَّتْ مِنْ الصَّبِيِّ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ ; لِأَنَّ الْعِدَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ لَا يَتَدَاخَلَانِ.
وَإِنْ كَانَتْ الْفُرْقَةُ فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ الدُّخُولِ، كَزَوْجَةِ كَبِيرٍ دَخَلَ بِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَزَوَّجَهَا، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ بَعْدَ وَضْعِهِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ. وَكَذَلِكَ إذَا طَلَّقَ الْخَصِيُّ الْمَجْبُوبُ امْرَأَتَهُ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لَمْ يَلْحَقْهُ نَسَبُهُ، وَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِوَضْعِهِ، وَتَنْقَضِي بِهِ عِدَّةُ الْوَطْءِ، ثُمَّ تَسْتَأْنِفُ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، أَوْ عِدَّةَ الْوَفَاةِ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ ظَاهَرَ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ بِهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْإِنْزَالُ، بِأَنْ يَحُكَّ مَوْضِعَ ذَكَرِهِ بِفَرْجِهَا فَيُنْزِلَ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْحَقُ بِهِ ; الْوَلَدُ، وَتَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ عَشْرَ سِنِينَ.
وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي مَجْلِسِ الْحَاكِمِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ تَزَوَّجَ الْمَشْرِقِيُّ بِالْمَغْرِبِيَّةِ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمَا بِمُدَّةِ الْحَمْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، وَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ بِوَضْعِهِ.
(6341) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَلَوْ طَلَّقَهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا، فَلَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَزَوَّجَتْ مَنْ أَصَابَهَا، فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَبَنَتْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ عِدَّةِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّةَ مِنْ الثَّانِي)
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَنْكِحَ فِي عِدَّتِهَا، إجْمَاعًا، أَيَّ عِدَّةٍ كَانَتْ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} . وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى اخْتِلَاطِ الْمِيَاهِ، وَامْتِزَاجِ الْأَنْسَابِ. وَإِنْ تَزَوَّجَتْ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ مِنْ النِّكَاحِ لِحَقِّ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ نِكَاحًا بَاطِلًا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَهِيَ فِي نِكَاحِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَالْعِدَّةُ بِحَالِهَا، وَلَا تَنْقَطِعُ بِالْعَقْدِ الثَّانِي ; لِأَنَّهُ بَاطِلٌ لَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ شَيْءٌ، وَتَسْقُطُ سُكْنَاهَا وَنَفَقَتُهَا عَنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهَا نَاشِزٌ، وَإِنْ وَطِئَهَا، انْقَطَعَتْ الْعِدَّةُ سَوَاءٌ عَلِمَ التَّحْرِيمَ أَوْ جَهِلَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَنْقَطِعُ ; لِأَنَّ كَوْنَهَا فِرَاشًا لِغَيْرِ مَنْ لَهُ الْعِدَّةُ لَا يَمْنَعُهَا، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَهِيَ زَوْجَةٌ، فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ فِرَاشًا لِلزَّوْجِ. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ وَطِئَهَا عَالِمًا بِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، وَأَنَّهَا تَحْرُمُ، فَهُوَ زَانٍ، فَلَا تَنْقَطِعُ الْعِدَّةُ بِوَطْئِهِ ; لِأَنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، أَوْ بِالتَّحْرِيمِ، انْقَطَعَتْ الْعِدَّةُ بِالْوَطْءِ ; لِأَنَّهَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا، وَالْعِدَّةُ تُرَادُ لِلِاسْتِبْرَاءِ، وَكَوْنُهَا فِرَاشًا يُنَافِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْطَعَهَا، فَأَمَّا طَرَيَانُهُ عَلَيْهَا، فَلَا يَجُوزُ. وَلَنَا أَنَّ هَذَا وَطْءٌ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ، فَتَنْقَطِعُ بِهِ الْعِدَّةُ، كَمَا لَوْ جَهِلَ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا لَا تَصِيرُ بِهِ فِرَاشًا. قُلْنَا: لَكِنَّهُ لَا يَلْحَقُ نَسَبُ الْوَلَدِ الْحَادِثِ مِنْ وَطْئِهِ بِالزَّوْجِ الْأَوَّلِ، فَهُمَا شَيْئَانِ.
إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَعَلَيْهِ فِرَاقُهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ فَارَقَهَا أَوْ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ، وَعِدَّتُهُ وَجَبَتْ عَنْ وَطْءٍ فِي