مَنْ أَنْزَلَ الْغُسْلُ. وَيَثْبُتُ لِمَنْ أَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِهِ حُكْمُ الرِّجَالِ، وَلِمَنْ أَنْزَلَ مِنْ قُبُلِهِ حُكْمُ النِّسَاءِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِذَلِكَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ، أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ لَهُ بِالذُّكُورِيَّةِ بِالْإِنْزَالِ مِنْ ذَكَرِهِ، وَلَا بِالْأُنُوثِيَّةِ بِالْحَيْضِ مِنْ فَرْجِهِ، وَلَا بِالْبُلُوغِ بِهَذَا. وَلَنَا أَنَّهُ أَمْرٌ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَيْهِ، كَالْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِهِ أَوْ مِنْ قُبُلِهِ ; وَلِأَنَّهُ أَنْزَلَ الْمَاءَ الدَّافِقَ لِشَهْوَةٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ". وَبِالْقِيَاسِ عَلَى مَنْ تَثْبُتُ لَهُ الذُّكُورِيَّةُ أَوْ الْأُنُوثِيَّةُ.
(290) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ أَوْ الْمَوْطُوءُ صَغِيرًا، فَقَالَ أَحْمَدُ يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْغُسْلُ. وَقَالَ: إذَا أَتَى عَلَى الصَّبِيَّةِ تِسْعُ سِنِينَ، وَمِثْلُهَا يُوطَأُ، وَجَبَ عَلَيْهَا الْغُسْلُ. وَسُئِلَ عَنْ الْغُلَامِ يُجَامِعُ مِثْلُهُ وَلَمْ يَبْلُغْ، فَجَامَعَ الْمَرْأَةَ، يَكُونُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا الْغُسْلُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ: تَرَى عَائِشَةَ حِينَ كَانَ يَطَؤُهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تَكُنْ تَغْتَسِلُ، وَيُرْوَى عَنْهَا:"إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ".
وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْمَأْثَمُ، وَلَا هِيَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ. وَلَا تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ الَّتِي تَجِبُ الطَّهَارَةُ لَهَا، فَأَشْبَهَتْ الْحَائِضَ. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ; لِتَصْرِيحِهِ بِالْوُجُوبِ، وَذَمِّهِ قَوْلَ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَوْلِهِ: هُوَ قَوْلُ سَوْءٍ. وَاحْتَجَّ بِفِعْلِ عَائِشَةَ وَرِوَايَتِهَا لِلْحَدِيثِ الْعَامِّ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ; وَلِأَنَّهَا أَجَابَتْ بِفِعْلِهَا وَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهَا: فَعَلْته أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاغْتَسَلْنَا.
فَكَيْفَ تَكُونُ خَارِجَةً مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُوبِ الْغُسْلِ فِي الصَّغِيرِ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَالطَّوَافِ، وَإِبَاحَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْبَالِغُ بِتَأْخِيرِهِ فِي مَوْضِعٍ يَتَأَخَّرُ الْوَاجِبُ بِتَرْكِهِ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَخَّرَهُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لَمْ يَأْثَمْ، وَالصَّبِيُّ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَأْثَمْ بِالتَّأْخِيرِ، وَبَقِيَ فِي حَقِّهِ شَرْطًا، كَمَا فِي حَقِّ الْكَبِيرِ، وَإِذَا بَلَغَ كَانَ حُكْمُ الْحَدَثِ فِي حَقِّهِ بَاقِيًا، كَالْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي حَقِّ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ، سَوَاءٌ كَانَ أَصْلِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، اغْتَسَلَ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ، وُجِدَ مِنْهُ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ أَوْ لَمْ يُوجَدْ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ جَنَابَةٌ زَمَنَ كُفْرِهِ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا أَسْلَمَ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ اغْتَسَلَ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ أَوْ لَمْ يَغْتَسِلْ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ الْغُسْلَ بِحَالٍ ; لِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ وَالْجَمَّ الْغَفِيرَ أَسْلَمُوا، فَلَوْ أُمِرَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ بِالْغُسْلِ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَوَاتِرًا أَوْ ظَاهِرًا ; وَلِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ: اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ} . وَلَوْ كَانَ الْغُسْلُ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ.