حَسَنٌ.
وَأَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ، فَأَوَّلُهُ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ مِنْ لَيْلَةِ النَّحْرِ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَوَّلُهُ طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَآخِرُهُ آخِرُ أَيَّامِ النَّحْرِ. وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَوَّلِ وَقْتِ الرَّمْيِ ; وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِيهِ. وَأَمَّا آخِرُ وَقْتِهِ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ نُسُكٌ يُفْعَلُ فِي الْحَجِّ، فَكَانَ آخِرُهُ مَحْدُودًا، كَالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ آخِرَ وَقْتِهِ غَيْرُ مَحْدُودٍ ; فَإِنَّهُ مَتَى أَتَى بِهِ صَحَّ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ الدَّمِ، فَيَقُولُ: إنَّهُ طَافَ فِيمَا بَعْدَ أَيَّامِ النَّحْرِ طَوَافًا صَحِيحًا، فَلَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ، كَمَا لَوْ طَافَ أَيَّامَ النَّحْرِ، فَأَمَّا الْوُقُوفُ وَالرَّمْيُ، فَإِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا مُوَقَّتَيْنِ، كَانَ لَهُمَا وَقْتٌ يَفُوتَانِ بِفَوَاتِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطَّوَافُ، فَإِنَّهُ مَتَى أَتَى بِهِ صَحَّ.
(2556) فَصْلٌ: وَصِفَةُ هَذَا الطَّوَافِ كَصِفَةِ طَوَافِ الْقُدُومِ، سِوَى أَنَّهُ يَنْوِي بِهِ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، وَيُعَيِّنُهُ بِالنِّيَّةِ. وَلَا رَمَلَ فِيهِ، وَلَا اضْطِبَاعَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ} . وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ فِي هَذَا الطَّوَافِ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ الَّذِي عَلَيْهِ. وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى} . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهُ صَلَاةً، وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّاتِ اتِّفَاقًا.
(2557) مَسْأَلَة: قَالَ: (ثُمَّ قَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)
يَعْنِي إذَا طَافَ لِلزِّيَارَةِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ، حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ الْإِحْرَامُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ سِوَى النِّسَاءِ، فَهَذَا الطَّوَافُ حَلَّلَ لَهُ النِّسَاءَ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: {لَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْر، فَأَفَاضَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرَّمَهُ.}
وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي حُصُولِ الْحِلِّ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ، عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَ الْخِرَقِيِّ، وَأَنَّهُ كَانَ قَدْ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَسْعَى، إنْ قُلْنَا: إنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ. وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ سُنَّةٌ. فَهَلْ يَحِلُّ قَبْلَهُ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا، يَحِلُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ وَاجِبَاتِهِ. وَالثَّانِي، لَا يَحِلُّ، لِأَنَّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ، فَيَأْتِي بِهِ فِي إحْرَامِ الْحَجِّ، كَالسَّعْيِ فِي الْعُمْرَةِ. وَإِنَّمَا خَصَّ الْخِرَقِيِّ الْمُفْرِدَ وَالْقَارِنَ بِهَذَا، لِكَوْنِهِمَا سَعَيَا مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، وَالْمُتَمَتِّعُ لَمْ يَسْعَ.
(2558) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا، كَمَا فَعَلَ لِلْعُمْرَةِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ الزِّيَارَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} .)
أَمَّا الطَّوَافُ الْأَوَّلُ، الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا، فَهُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ ; لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَمْ يَأْتِ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالطَّوَافُ الَّذِي طَافَهُ فِي الْعُمْرَةِ كَانَ طَوَافَهَا، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ مَسْنُونٌ لِلْمُتَمَتِّعِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: فَإِذَا رَجَعَ إلَى مِنًى أَعْنِي الْمُتَمَتِّع كَمْ يَطُوفُ وَيَسْعَى ؟ قَالَ: يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجِّهِ، وَيَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ