ثَوَابِ مَا مَنَعُوهُ، وَالْآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَا سَلَّمُوهُ، وَمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ فِي مَعْنَاهُ، فَنَقِيسُهُ عَلَيْهِ. وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي الْخَبَرِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ، فَإِنَّمَا دَلَّ عَلَى انْقِطَاعِ عَمَلِهِ، فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ ; ثُمَّ لَوْ دَلَّ عَلَيْهِ كَانَ مَخْصُوصًا بِمَا سَلَّمُوهُ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا مَنَعُوهُ، فَيَتَخَصَّصُ بِهِ أَيْضًا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْمَعْنَى غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنْ تَعَدِّيَ الثَّوَابِ لَيْسَ بِفَرْعِ لِتَعَدِّي النَّفْعِ، ثُمَّ هُوَ بَاطِلٌ بِالصَّوْمِ وَالدُّعَاءِ وَالْحَجِّ، وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْتَبَرُ بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(1688) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ)
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي زِيَارَةِ النِّسَاءِ الْقُبُورَ، فَرُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا ; لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: {نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.} رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ} . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَهَذَا خَاصٌّ فِي النِّسَاءِ، وَالنَّهْيُ الْمَنْسُوخُ كَانَ عَامًا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا لِلرِّجَالِ. وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا كَوْنَ الْخَبَرِ فِي لَعْنِ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ، بَعْدَ أَمْرِ الرِّجَالِ بِزِيَارَتِهَا، فَقَدْ دَارَ بَيْنَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الْكَرَاهَةُ. وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَلِيلَةُ الصَّبْرِ، كَثِيرَةُ الْجَزَعِ، وَفِي زِيَارَتِهَا لِلْقَبْرِ تَهْيِيجٌ لِحُزْنِهَا، وَتَجْدِيدٌ لِذِكْرِ مُصَابِهَا، فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يُفْضِيَ بِهَا ذَلِكَ إلَى فِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ، بِخِلَافِ الرَّجُلِ، وَلِهَذَا اخْتَصَصْنَ بِالنُّوحِ وَالتَّعْدِيدِ، وَخُصِصْنَ بِالنَّهْيِ عَنْ الْحَلْقِ وَالصَّلْقِ وَنَحْوِهِمَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لَا يُكْرَهُ ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَزُورُوهَا} .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَبْقِ النَّهْيِ وَنَسْخِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت ؟ قَالَتْ: مِنْ قَبْرِ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَقُلْت لَهَا: قَدْ {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَدْ نَهَى، ثُمَّ أَمَرَ بِزِيَارَتِهَا} ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ عَائِشَةَ زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا، وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: لَوْ شَهِدْته مَا زُرْته.
(1689) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ النَّعْيُ، وَهُوَ أَنْ يَبْعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: إنَّ فُلَانًا قَدْ مَاتَ. لِيَشْهَدُوا جِنَازَتَهُ ; لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ، قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {يَنْهَى عَنْ النَّعْيِ} . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَاسْتَحَبَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يُعْلَمَ النَّاسُ بِجَنَائِزِهِمْ ; مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَصْحَابُهُ عَلْقَمَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ، وَعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ.
قَالَ عَلْقَمَةُ: لَا تُؤْذِنُوا بِي أَحَدًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: إذَا أَنَا مِتَّ فَلَا أُنْعَى إلَى أَحَدٍ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يَعْلَمَ بِالرَّجُلِ إخْوَانُهُ وَمَعَارِفُهُ وَذَوُو الْفَضْلِ، مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ. قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَا بَأْسَ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنْ يُؤْذِنَ صَدِيقَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَإِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُطَافَ فِي الْمَجَالِسِ: أَنْعِي فُلَانًا.