فَلَمْ يَفْعَلْهُ، وَكَانَتْ يَمِينُهُ مُؤَقَّتَةً بِلَفْظِهِ، أَوْ نِيَّتِهِ، أَوْ قَرِينَةِ حَالِهِ، فَفَاتَ الْوَقْتُ، حَنِثَ، وَكَفَّرَ.
وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً، لَمْ يَحْنَثْ إلَّا بِفَوَاتِ وَقْتِ الْإِمْكَانِ ; لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ وَالْفِعْلُ مُمْكِنٌ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْعَلَ فَلَا يَحْنَثُ ; وَلِهَذَا {قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَّا نَأْتِي الْبَيْتَ، وَنَطُوفُ بِهِ ؟ قَالَ: فَأَخْبَرْتُك أَنَّك تَأْتِيهِ الْعَامَ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَإِنَّك آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ} . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} . وَهُوَ حَقٌّ، وَلَمْ يَأْتِ بَعْدُ.
(7947) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ)
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا. فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ، إلَّا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ. هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ أَيْضًا، وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لَا حِنْثَ عَلَى النَّاسِي فِي طَلَاقٍ وَلَا غَيْرِهِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ، وَالنِّسْيَانِ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ} . وَلِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ طَرَفِي الْيَمِينِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ الْقَصْدُ، كَحَالَةِ الِابْتِدَاءِ بِهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ. وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيَّ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ قَاصِدًا لِفِعْلِهِ، فَلَزِمَهُ الْحِنْثُ، كَالذَّاكِرِ، وَكَمَا لَوْ كَانَتْ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
وَلَنَا، عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَجِبُ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ، مَا تَقَدَّمَ، وَلِأَنَّهَا تَجِبُ لِرَفْعِ الْإِثْمِ، وَلَا إثْمَ عَلَى النَّاسِي. وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، فَهُوَ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، فَيَقَعُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، إنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَوْ قَدِمَ الْحَاجُّ.
(7948) فَصْلٌ: وَإِنْ فَعَلَهُ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، كَرَجُلٍ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ يَحْسَبُهُ أَجْنَبِيًّا، أَوْ حَلَفَ إنَّهُ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، فَأَعْطَاهُ قَدْرَ حَقِّهِ، فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ بَرَّ، فَوَجَدَ مَا أَخَذَهُ رَدِيئًا، أَوْ حَلَفَ: لَا بِعْت لِزَيْدٍ ثَوْبًا. فَوَكَّلَ زَيْدٌ مَنْ يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ يَبِيعُهُ، فَدَفَعَهُ إلَى الْحَالِفِ، فَبَاعَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ، فَهُوَ كَالنَّاسِي ; لِأَنَّهُ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْمُخَالَفَةِ، أَشْبَهَ النَّاسِيَ.
(7949) فَصْلٌ: وَالْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنْ يُلْجَأَ إلَيْهِ، مِثْلَ مَنْ يَحْلِفُ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا. أَوْ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأُخْرِجَ مَحْمُولًا، أَوْ مَدْفُوعًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ. فَهَذَا لَا يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ دَخَلَ مَرْبُوطًا، لَمْ يَحْنَثْ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ الدُّخُولَ وَالْخُرُوجَ، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا