فهرس الكتاب

الصفحة 3134 من 3896

لِأَنَّ قَوْلَهُ: زَنَيْت. خِطَابٌ فِي الْحَالِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ زِنَاهُ فِي الْحَالِ. وَهَكَذَا إنْ قَالَ: زَنَيْت وَأَنْتَ عَبْدٌ. وَإِنْ قَذَفَ مَجْهُولًا، وَادَّعَى أَنَّهُ رَقِيقٌ أَوْ مُشْرِكٌ. فَقَالَ الْمَقْذُوفُ: بَلْ أَنَا حُرٌّ مُسْلِمٌ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْقَاذِفِ فِي الرِّقِّ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْحَدِّ، وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَمَا ادَّعَاهُ مُحْتَمَلٌ، فَيَكُونُ شُبْهَةً. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ، كَالْوَجْهَيْنِ. وَلَنَا أَنَّ الْأَصْلَ الْحُرِّيَّةُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى مَا خَالَفَهُ، كَمَا لَوْ فَسَّرَ صَرِيحَ الْقَذْفِ بِمَا يُحِيلُهُ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى أَنَّهُ مُشْرِكٌ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِسْلَامُ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ: أَنَا مُسْلِمٌ. بِخِلَافِ الْحُرِّيَّةِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَثْبُتُ الْإِسْلَامُ بِقَوْلِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَأَمَّا الْمَاضِي، فَلَا يَثْبُتُ بِمَا جَاءَ بَعْدَهُ، فَلَا يَثْبُتُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا حَالَ الْقَذْفِ بِقَوْلِهِ فِي حَالِ النِّزَاعِ، فَاسْتَوَيَا.

(7236) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيُحَدُّ مَنْ قَذَفَ الْمُلَاعِنَةَ)

.نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى هَذَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى فِي الْمُلَاعِنَةِ، أَنْ لَا تُرْمَى، وَلَا يُرْمَى وَلَدُهَا.، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَلِأَنَّ حَصَانَتَهَا لَمْ تَسْقُطْ بِاللِّعَانِ، وَلَا يُبَتُّ الزِّنَا بِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهَا بِهِ حَدٌّ. وَمَنْ قَذَفَ ابْنَ الْمُلَاعِنَةِ، فَقَالَ: هُوَ وَلَدُ زِنًا. فَعَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: هُوَ مِنْ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ. فَأَمَّا إنْ قَالَ: لَيْسَ هُوَ ابْنُ فُلَانٍ. يَعْنِي الْمُلَاعِنَ، وَأَرَادَ أَنَّهُ مَنْفِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ.

(7237) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ إقْرَارٍ، أَوْ حَدٍّ بِالزِّنَا، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ ; لِأَنَّهُ صَادِقٌ ; وَلِأَنَّ إحْصَانَ الْمَقْذُوفِ قَدْ زَالَ بِالزِّنَا. وَلَوْ قَالَ لِمَنْ زَنَى فِي شِرْكِهِ، أَوْ لِمَنْ كَانَ مَجُوسِيًّا تَزَوَّجَ بِذَاتِ مَحْرَمِهِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ: يَا زَانِي. فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، إذَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ. وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْحَدُّ ; لِأَنَّهُ قَذَفَ مُسْلِمًا لَمْ يَثْبُتْ زِنَاهُ فِي إسْلَامِهِ. وَلَنَا أَنَّهُ قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ ثَبَتَ زِنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ ; وَلِأَنَّهُ صَادِقٌ. وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ ; لِقَوْلِهِ: وَمَنْ قَذَفَ مَنْ كَانَ مُشْرِكًا، وَقَالَ أَرَدْت أَنَّهُ زَنَى وَهُوَ مُشْرِكٌ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَحُدَّ.

(7238) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قُذِفَتْ الْمَرْأَةُ، لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ، إذَا كَانَتْ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ)

.وَإِنْ قُذِفَتْ أُمُّهُ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً، حُدَّ الْقَاذِفُ إذَا طَالَبَ الِابْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا. أَمَّا إذَا قُذِفَتْ وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ، فَلَيْسَ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَلَا يُطَالِبُ بِهِ غَيْرُهَا، وَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْجُورًا عَلَيْهَا أَوْ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ حَقٌّ يَثْبُتُ لِلتَّشَفِّي، فَلَا يَقُومُ فِيهِ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ مَقَامَهُ، كَالْقِصَاصِ، وَتُعْتَبَرُ حَصَانَتُهَا ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، فَتُعْتَبَرُ حَصَانَتُهَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ. وَأَمَّا إنْ قُذِفَتْ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، فَإِنَّ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةَ ; لِأَنَّهُ قَدْحٌ فِي نَسَبِهِ ; وَلِأَنَّهُ بِقَذْفِ أُمِّهِ يَنْسُبُهُ إلَى أَنَّهُ مِنْ زِنًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَلِذَلِكَ تُعْتَبَرُ الْحَصَانَةُ فِيهِ، وَلَا تُعْتَبَرُ الْحَصَانَةُ فِي أُمِّهِ ; لِأَنَّ الْقَذْفَ لَهُ.

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ بِحَالٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ قَذْفٌ لِمَنْ لَا تَصِحُّ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ، فَأَشْبَهَ قَذْفَ الْمَجْنُونِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُحْصَنًا، فَلِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ، وَيَنْقَسِمُ بِانْقِسَامِ الْمِيرَاثِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا، فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ، فَلَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت