فهرس الكتاب

الصفحة 3693 من 3896

الشَّهَادَةُ مِنْهُمْ عَلَى فِعْلَيْنِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: لَا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ الْمَزْنِيِّ بِهَا، وَلَا ذِكْرِ الْمَكَانِ ; لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذِكْرُهُ، كَالزَّمَانِ.

وَإِنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَرِقَةِ نِصَابٍ مِنْ الْحِرْزِ، وَذِكْرِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَصِفَةِ السَّرِقَةِ. وَإِنْ شَهِدَ بِالْقَذْفِ، فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْمَقْذُوفِ، وَصِفَةِ الْقَذْفِ. وَإِنْ شَهِدَ بِمَالٍ، احْتَاجَ إلَى تَحْرِيرِهِ بِمِثْلِ مَا ذَكَرْنَا فِي الدَّعْوَى. وَإِنْ تَرَكَ الشَّاهِدُ ذِكْرَ شَيْءٍ يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ، سَأَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْهُ، كَمَا سَأَلَ شُرَيْحٌ الشَّاهِدَ الَّذِي شَهِدَ عِنْدَهُ أَنَّهُ اتَّكَأَ عَلَيْهِ بِمِرْفَقِهِ حَتَّى مَاتَ. وَإِنْ حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ، أَوْ حَرَّرَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ شَهَادَتَهُ، وَشَهِدَ بِهَا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَشْهَدُ بِمِثْلِ ذَلِكَ. أَوْ قَالَ حِينَ حَرَّرَ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ: أَشْهَدُ بِذَلِكَ، أَوْ بِهَذَا. أَجْزَأَهُ.

(8453) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَوْ جَاءَ أَرْبَعَةٌ مُتَفَرِّقُونَ، وَالْحَاكِمُ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ، لَمْ يَقُمْ قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ. وَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ، كَانُوا قَذَفَةً، وَعَلَيْهِمْ الْحَدُّ)

هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ; قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الْحُدُودِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهَا هَاهُنَا.

(8454) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمَا بِجَرْحٍ أَوْ قَتْلٍ، ثُمَّ رَجَعَا، فَقَالَا: عَمَدْنَا، اُقْتُصَّ مِنْهُمَا. وَإِنْ قَالَا: أَخْطَأْنَا. غَرِمَا الدِّيَةَ، أَوْ أَرْشَ الْجَرْحِ)

وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الشُّهُودَ إذَا رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ أَدَائِهَا، لَمْ يَخْلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ ; أَحَدُهَا، أَنْ يَرْجِعُوا قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا، فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا. فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

وَحُكِيَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ، أَنَّهُ شَذَّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ: يُحْكَمُ بِهَا ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَدْ أُدِّيَتْ، فَلَا تَبْطُلُ بِرُجُوعِ مَنْ شَهِدَ بِهَا، كَمَا لَوْ رَجَعَا بَعْدَ الْحُكْمِ. وَهَذَا فَاسِدٌ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطُ الْحُكْمِ، فَإِذَا زَالَتْ قَبْلَهُ، لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ فَسَقَا ; وَلِأَنَّ رُجُوعَهُمَا يَظْهَرُ بِهِ كَذِبُهُمَا، فَلَمْ يَجُزْ الْحُكْمُ بِهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَا بِقَتْلِ رَجُلٍ، ثُمَّ عُلِمَ حَيَاتُهُ، وَلِأَنَّهُ زَالَ ظَنُّهُ فِي أَنَّ مَا شُهِدَ بِهِ حَقٌّ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِهِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، وَفَارَقَ مَا بَعْدَ الْحُكْمِ، فَإِنَّهُ تَمَّ بِشَرْطِهِ ; وَلِأَنَّ الشَّكَّ لَا يُزِيلُ مَا حُكِمَ بِهِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.

الْحَالُ الثَّانِي، أَنْ يَرْجِعَا بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، فَيُنْظَرَ ; فَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ عُقُوبَةً، كَالْحَدِّ وَالْقِصَاصِ، لَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهُ ; لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَرُجُوعُهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الشُّبُهَاتِ، وَلِأَنَّ الْمَحْكُومَ بِهِ عُقُوبَةٌ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ اسْتِحْقَاقُهَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى جَبْرِهَا، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِيفَاؤُهَا، كَمَا لَوْ رَجَعَا قَبْلَ الْحُكْمِ. وَفَارَقَ الْمَالَ ; فَإِنَّهُ يُمْكِنُ جَبْرُهُ، بِإِلْزَامِ الشَّاهِدَيْنِ عِوَضَهُ، وَالْحَدُّ وَالْقِصَاصُ لَا يَنْجَبِرُ بِإِيجَابِ مِثْلِهِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِجَبْرٍ، وَلَا يَحْصُلُ لِمَنْ وَجَبَ لَهُ مِنْهُ عِوَضٌ، وَإِنَّمَا شُرِعَ لِلزَّجْرِ وَالتَّشَفِّي وَالِانْتِقَامِ، لَا لِلْجَبْرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ: إنَّهُ إذَا حُكِمَ بِالْقِصَاصِ، ثُمَّ فَسَقَ الشَّاهِدَانِ، اُسْتُوْفِيَ. فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.

قُلْنَا: الرُّجُوعُ أَعْظَمُ فِي الشُّبْهَةِ مِنْ طَرَيَان الْفِسْقِ لِأَنَّهُمَا يُقِرَّانِ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا زُورٌ، وَأَنَّهُمَا كَانَا فَاسِقَيْنِ حِينَ شَهِدَا، وَحِينَ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِمَا، وَهَذَا الَّذِي طَرَأَ فِسْقُهُ لَا يَتَحَقَّقُ كَوْنُ شَهَادَتِهِ كَذِبًا، وَلَا أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا حِينَ أَدَّى الشَّهَادَةَ، وَلَا حِينَ الْحُكْمِ بِهَا، وَلِهَذَا لَوْ فَسَقَ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَالرَّاجِعَانِ تَلْزَمُهُمَا غَرَامَةُ مَا شَهِدَا بِهِ فَافْتَرَقَا. وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَالًا، اُسْتُوْفِيَ، وَلَمْ يُنْقَضْ حُكْمُهُ. فِي قَوْلِ أَهْلِ الْفُتْيَا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ.

وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت