وَقَدْ ذَكَرْنَا حُكْمَهَا فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْبَابِ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(6369) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا، فَحَتَّى تَضَعَ)
وَهَذِهِ، بِحَمْدِ اللَّهِ، لَا خِلَافَ فِيهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ} . وَلِأَنَّ عِدَّةَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا وَالْمُطَلَّقَةِ وَاسْتِبْرَاءَ كُلِّ أَمَةٍ إذَا كَانَتْ حَامِلًا بِوَضْعِ حَمْلِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعِدَّةِ وَالِاسْتِبْرَاءِ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِوَضْعِهِ، وَمَتَى كَانَتْ حَامِلًا بِاثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. فَلَا يَنْقَضِي اسْتِبْرَاؤُهَا حَتَّى تَضَعَ آخِرَ حَمْلِهَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمُعْتَدَّةِ.
(6370) فَصْلٌ: وَإِذَا زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ، ثُمَّ مَاتَ، عَتَقَتْ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ ; لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمَوْلَى، وَلَيْسَتْ لَهُ فِرَاشًا، وَإِنَّمَا هِيَ فِرَاشٌ لِلزَّوْجِ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا الِاسْتِبْرَاءُ مِمَّنْ لَيْسَتْ لَهُ فِرَاشًا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُزَوِّجْهَا حَتَّى اسْتَبْرَأَهَا، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ تَزْوِيجُهَا قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا. فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا أَيْضًا، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْمَسِيسِ، أَوْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، فَعَلَيْهَا عِدَّةُ حُرَّةٍ كَامِلَةٍ ; لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ حُرَّةً فِي حَالِ وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا. وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا وَهِيَ فِي عِدَّةِ الزَّوْجِ، عَتَقَتْ، وَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَلِأَنَّهُ زَالَ فِرَاشُهُ عَنْهَا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهَا اسْتِبْرَاءٌ مِنْ أَجْلِهِ، كَغَيْرِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا بَاعَهَا ثُمَّ مَاتَ.
وَتَبْنِي عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ إنْ كَانَ طَلَاقُهَا بَائِنًا، أَوْ كَانَتْ مُتَوَفَّى عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ، عَلَى مَا مَضَى. وَإِنْ بَانَتْ مِنْ الزَّوْجِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِطَلَاقٍ، أَوْ بَانَتْ بِمَوْتِ زَوْجِهَا، أَوْ طَلَاقِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَقَضَتْ عِدَّتَهُ، ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهَا، فَعَلَيْهَا الِاسْتِبْرَاءُ ; لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى فِرَاشِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَلْزَمُهَا اسْتِبْرَاءٌ، إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا السَّيِّدُ إلَى نَفْسِهِ ; لِأَنَّ فِرَاشَهُ قَدْ زَالَ بِتَزْوِيجِهَا، وَلَمْ يَتَجَدَّدْ لَهَا مَا يَرُدُّهَا إلَيْهِ، فَأَشْبَهَتْ الْأَمَةَ غَيْرَ الْمَوْطُوءَةِ.
(6371) فَصْلٌ: فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا وَسَيِّدُهَا، وَلَمْ تَعْلَمْ أَيَّهُمَا مَاتَ أَوَّلًا، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، لَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ ; لِأَنَّ فِرَاشَ سَيِّدِهَا قَدْ زَالَ عَنْهَا، وَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ لِوَفَاةِ زَوْجِهَا عِدَّةَ الْحَرَائِرِ ; وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ سَيِّدَهَا مَاتَ أَوَّلًا، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا وَهِيَ حُرَّةً فَلَزِمَهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ، لِتَخْرُجَ مِنْ الْعِدَّةِ بِيَقِينٍ. وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ، إنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ فَمَا دُونُ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ إنْ كَانَ مَاتَ أَوَّلًا، فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ زَوْجَتُهُ، وَإِنْ كَانَ مَاتَ آخِرًا، فَقَدْ مَاتَ وَهِيَ مُعْتَدَّةٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا اسْتِبْرَاءٌ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا عِدَّةَ الْحُرَّةِ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَإِنْ كَانَ بَيْنَ مَوْتِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهَا بَعْد مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا أَطْوَلُ الْأَجَلَيْنِ، مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَاسْتِبْرَاءٍ بِحَيْضَةٍ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ السَّيِّدَ مَاتَ أَوَّلًا، فَيَكُونُ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ مِنْ الْوَفَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَاتَ آخِرًا، بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَعَوْدِهَا إلَى فِرَاشِهِ، فَلَزِمَهَا الِاسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَةٍ، فَوَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَى هَذَا جَمِيعُ الْقَائِلِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا بِحَيْضَةٍ، وَمِنْ زَوْجِهَا شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ، فَإِنْ جُهِلَ مَا بَيْنَ مَوْتِهِمَا، فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ بَيْنَهُمَا شَهْرَيْنِ وَخَمْسَ لَيَالٍ، احْتِيَاطًا لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ بِيَقِينٍ، كَمَا