الْحَرْبِ وَبِرُّهُمْ. وَالْآيَةُ حُجَّةٌ لَنَا فِي مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، فَأَمَّا الْمُقَاتِلُ فَإِنَّهُ نُهِيَ عَنْ تَوَلِّيهِ لَا عَنْ بِرِّهِ وَالْوَصِيَّةِ لَهُ، وَإِنْ احْتَجَّ بِالْمَفْهُومِ، فَهُوَ لَا يَرَاهُ حُجَّةً. ثُمَّ قَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْهِبَةِ، وَالْوَصِيَّةُ فِي مَعْنَاهَا. فَأَمَّا الْمُرْتَدُّ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، كَمَا تَصِحُّ هِبَتُهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا تَصِحُّ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا يَرِثُ، وَلَا يُورَثُ، فَهُوَ كَالْمَيِّتِ. وَلِأَنَّ مِلْكَهُ يَزُولُ عَنْ مَالِهِ بِرِدَّتِهِ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَجَمَاعَةٍ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ بِالْوَصِيَّةِ.
(4729) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكَافِرٍ بِمُصْحَفٍ وَلَا عَبْدٍ مُسْلِمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ هِبَتُهُمَا لَهُ، وَلَا بَيْعُهُمَا مِنْهُ. وَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِعَبْدٍ كَافِرٍ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ الْقَبُولِ، بَطَلَتْ، عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمِلْكَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْقَبُولِ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمِلْكُ عَلَى مُسْلِمٍ، وَمِنْ قَالَ: يَثْبُتُ الْمِلْكُ بِالْمَوْتِ قَبْلَ الْقَبُولِ. قَالَ: الْوَصِيَّةُ صَحِيحَةٌ ; لِأَنَّنَا نَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ أَنْ مَلَكَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَصِحَّ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ يَأْتِي بِسَبَبٍ لَوْلَاهُ لَمْ يَثْبُتْ الْمِلْكُ، فَمَنَعَ مِنْهُ، كَابْتِدَاءِ الْمِلْكِ.
(4730) فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَعْصِيَةٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، مُسْلِمًا كَانَ الْمُوصِي أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْتِ نَارٍ، أَوْ عِمَارَتِهِمَا، أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا، كَانَ بَاطِلًا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَصِحُّ. وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ الْوَصِيَّةَ بِأَرْضِهِ تُبْنَى كَنِيسَةً. وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. وَأَجَازَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ أَنْ يُوصِيَ بِشِرَاءِ خَمْرٍ أَوْ خَنَازِيرَ. وَيَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَهَذِهِ وَصَايَا بَاطِلَةٌ، وَأَفْعَالٌ مُحَرَّمَةٌ ; لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ، فَلَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهَا، كَمَا لَوْ وَصَّى بِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ لِلْفُجُورِ
وَإِنْ وَصَّى لِكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، لَمْ تَصِحَّ ; لِأَنَّهَا كُتُبٌ مَنْسُوخَةٌ، وَفِيهَا تَبْدِيلٌ، وَالِاشْتِغَالُ بِهَا غَيْرُ جَائِزٍ، وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ شَيْئًا مَكْتُوبًا مِنْ التَّوْرَاةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى لَحُصِرَ الْبَيْعُ وَقَنَادِيلُهَا، وَمَا شَاكَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْصِدْ إعْظَامَهَا بِذَلِكَ، صَحَّتْ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَإِنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إلَيْهِمْ، وَالْوَصِيَّةُ لَهُمْ صَحِيحَةٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ، وَتَعْظِيمٌ لِكَنَائِسِهِمْ. وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامٌ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْوَصِيَّةِ مِنْ الذِّمِّيِّ بِخِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَصَحُّ. وَإِنْ وَصَّى بِبِنَاءِ بَيْتٍ يَسْكُنُهُ الْمُجْتَازُونَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ، صَحَّ ; لِأَنَّ بِنَاءَ مَسَاكِنِهِمْ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ.
(4731) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَةٍ، لَمْ يُعْطَ مَنْ فِيهَا مِنْ الْكُفَّارِ، إلَّا أَنْ يَذْكُرَهُمْ)
يَعْنِي بِهِ الْمُسْلِمَ، إذَا أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ لِقَرَابَتِهِ بِلَفْظٍ عَامٍّ، يَدْخُلُ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ، فَهِيَ لِلْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً، وَلَا شَيْءَ لِلْكُفَّارِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَدْخُلُ فِيهِ الْكُفَّارُ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُمْ بِعُمُومِهِ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ لَوْ أَوْصَى لِأَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ، دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ. وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}
فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ