فهرس الكتاب

الصفحة 505 من 3896

مَا لَوْ صَلَّاهَا فِي وَقْتِهَا. وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي سَفَرٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَسَوَاءٌ ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ أَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إذَا ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ لَزِمَتْهُ تَامَّةً ; لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا تَامَّةً بِذِكْرِهِ إيَّاهَا. فَبَقِيَتْ فِي ذِمَّتِهِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى ; لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا فِي السَّفَرِ، فَكَانَتْ صَلَاةَ سَفَرٍ، كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْحَضَرِ.

وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْقَصْرِ كَوْنَ الصَّلَاةِ مُؤَدَّاةً ; لِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَقْصُورَةٌ، فَاشْتُرِطَ لَهَا الْوَقْتُ، كَالْجُمُعَةِ. وَهَذَا فَاسِدٌ ; فَإِنَّ هَذَا اشْتِرَاطٌ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْجُمُعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى، وَيُشْتَرَطُ لَهَا الْخُطْبَتَانِ وَالْعَدَدُ وَالِاسْتِيطَانُ، فَجَازَ اشْتِرَاطُ الْوَقْتِ لَهَا، بِخِلَافِ صَلَاةِ السَّفَرِ.

(1272) فَصْلٌ: وَإِذَا سَافَرَ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا، قَصْرُهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ لَهُ قَصْرَهَا. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِأَنَّهُ سَافَرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا. أَشْبَهَ مَا لَوْ سَافَرَ قَبْلَ وُجُوبِهَا.

وَالثَّانِيَةُ، لَيْسَ لَهُ قَصْرُهَا ; لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ، فَلَزِمَهُ إتْمَامُهَا، كَمَا لَوْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا، أَوْ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِهَا، وَفَارَقَ مَا قَبْلَ الْوَقْتِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.

(1273) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا دَخَلَ مَعَ مُقِيمٍ، وَهُوَ مُسَافِرٌ، ائْتَمَّ)

.وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُسَافِرَ مَتَى ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ، لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ، سَوَاءٌ أَدْرَكَ جَمِيعَ الصَّلَاةِ أَوْ رَكْعَةً، أَوْ أَقَلَّ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْمُسَافِرِ، يَدْخُلُ فِي تَشَهُّدِ الْمُقِيمِينَ ؟ قَالَ: يُصَلِّي أَرْبَعًا.

وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ. وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَقَالَ إِسْحَاقُ: لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ ; لِأَنَّهَا صَلَاةٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا رَكْعَتَيْنِ، فَلَمْ تَزِدْ بِالِائْتِمَامِ، كَالْفَجْرِ. وَقَالَ طَاوُسٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَتَمِيمُ بْنُ حَذْلَمَ، فِي الْمُسَافِرِ يُدْرِكُ مِنْ صَلَاةِ الْمُقِيمِ رَكْعَتَيْنِ: يُجْزِيَانِ

وَقَالَ الْحَسَنُ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ: إنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً أَتَمَّ، وَإِنْ أَدْرَكَ دُونَهَا قَصَرَ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ} . وَلِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لَا يَلْزَمُهُ فَرْضُهَا.

وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: {مَا بَالُ الْمُسَافِرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي حَالِ الِانْفِرَادِ، وَأَرْبَعًا إذَا ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ ؟ فَقَالَ: تِلْكَ السُّنَّةُ.} رَوَاهُ أَحْمَدُ، فِي"الْمُسْنَدِ"

وَقَوْلُهُ: السُّنَّةُ. يَنْصَرِفُ إلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِأَنَّهُ فِعْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا. قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّاهَا أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى رَكْعَتَيْنِ، فَلَا يُصَلِّيهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ كَالْجُمُعَةِ

وَمَا ذَكَرَهُ إِسْحَاقُ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا ; فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ لَهُ صَلَاةُ الْفَجْرِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الرُّبَاعِيَّةَ، وَإِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ يُخَالِفُ مَا نَحْنُ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ رَجَعَ إلَى رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ} . وَمُفَارَقَةُ إمَامِهِ اخْتِلَافٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ إمْكَانِ مُتَابَعَتِهِ. وَإِذَا أَحْرَمَ الْمُسَافِرُونَ خَلْفَ مُسَافِرٍ فَأَحْدَثَ، وَاسْتَخْلَفَ مُسَافِرًا آخَرَ، فَلَهُمْ الْقَصْرُ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتَمُّوا بِمُقِيمٍ.

وَإِنْ اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِمَهُمْ الْإِتْمَامُ ; لِأَنَّهُمْ ائْتَمُّوا بِمُقِيمٍ، وَلِلْإِمَامِ الَّذِي أَحْدَثَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ. وَلَوْ صَلَّى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت