بِإِسْنَادِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ فِي الْوُضُوءِ مِنْ حَمْلِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ غَسَّلَ أَبَا طَالِبٍ، إنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اذْهَبْ فَوَارِهِ، وَلَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي. قَالَ: فَأَتَيْته فَأَخْبَرْته، فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْت.} وَقَدْ قِيلَ: يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْكَافِرِ الْحَيِّ. وَلَا نَعْلَمُ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً تُوجِبُهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ.
(298) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ; وَلِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفَسِهِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْغُسْلِ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نَزُولُ عَنْ الْيَقِينِ بِالشَّكِّ، فَإِنْ تَيَقَّنَ مِنْهُمَا الْإِنْزَالَ فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ احْتِلَامٍ، فَيَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ مِنْ جَمِيعِ مَا نَفَيْنَا وُجُوبَ الْغُسْلِ مِنْهُ ; لِوُجُودِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ.
أَمَّا طَهَارَةُ الْمَاءِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَاسَةٌ، فَإِنَّ أَجْسَامَهُمْ طَاهِرَةٌ، وَهَذِهِ الْأَحْدَاثُ لَا تَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَرَقَ الْجُنُبِ طَاهِرٌ، ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ عَرَقُ الْحَائِضِ طَاهِرٌ. وَكُلُّ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَلَا يُحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافُهُمْ. وَقَدْ رَوَى {أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، قَالَ: فَانْخَنَسْت مِنْهُ فَاغْتَسَلْت، ثُمَّ جِئْت ; فَقَالَ: أَيْنَ كُنْت يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْت جُنُبًا فَكَرِهْت أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، إنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ إلَيْهِ بَعْضُ نِسَائِهِ قَصْعَةً لِيَتَوَضَّأَ مِنْهَا. فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: إنِّي غَمَسْت يَدِي فِيهَا وَأَنَا جُنُبٌ. فَقَالَ: الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ وَقَالَ لِعَائِشَةَ: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ. فَقَالَتْ: إنِّي حَائِضٌ، قَالَ إنَّ حَيْضَتَك لَيْسَتْ فِي يَدِك وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ مِنْ سُؤْرِ عَائِشَةَ وَهِيَ حَائِضٌ، وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا. وَتَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ، وَهِيَ حَائِضٌ، فَيَأْخُذُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيهَا. وَكَانَتْ تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِضٌ، وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ {. وَأَجَابَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيًّا دَعَاهُ إلَى خُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ} ; وَلِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْنًى فِي قَلْبِهِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي نَجَاسَةِ ظَاهِرِهِ كَسَائِرِ مَا فِي الْقَلْبِ، وَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ. وَيَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْكِتَابِيِّ الَّذِي لَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَالْخِنْزِيرَ، وَمَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُمْ، كَمَا فَرَّقْنَا بَيْنَهُمْ فِي آنِيَتِهِمْ وَثِيَابِهِمْ.
(300) فَصْلٌ: وَأَمَّا طُهُورِيَّةُ الْمَاءِ، فَإِنَّ الْحَائِضَ وَالْكَافِرَ لَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهُمَا يَدَيْهِمَا فِي الْمَاءِ شَيْئًا ; لِأَنَّ حَدَثَهُمَا لَا يَرْتَفِعُ. وَأَمَّا الْجُنُبُ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِغَمْسِ يَدِهِ فِي الْمَاءِ رَفْعَ الْحَدَثِ مِنْهَا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طُهُورِيَّتِهِ ; بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ: غَمَسْت يَدِي فِي الْمَاءِ وَأَنَا جُنُبٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"الْمَاءُ لَا يُجْنِبُ". وَلِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ مِنْ