فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 3896

وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ، وَأَمَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَسَهْلَةِ بِنْتِ سُهَيْلٍ، وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَغَيْرِهِنَّ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} يَعْنِي: إذَا اغْتَسَلْنَ. مُنِعَ الزَّوْجُ وَطْأَهَا قَبْلَ الْغُسْلِ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا.

وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ سَوَاءٌ ; فَإِنَّ دَمَ النِّفَاسِ هُوَ دَمُ الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ يَنْصَرِفُ إلَى غِذَاءِ الْوَلَدِ، فَحِينَ خَرَجَ الْوَلَدُ خَرَجَ الدَّمُ لِعَدَمِ مَصْرِفِهِ، وَسُمَيٌّ نِفَاسًا

(295) فَصْلٌ: فَأَمَّا الْوِلَادَةُ إذَا عَرِيَتْ عَنْ دَمٍ، فَلَا يَجِبُ فِيهَا الْغُسْلُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهَا وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِهَا ; لِأَنَّهَا مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ الْمُوجِبِ، فَقَامَتْ مَقَامَهُ فِي الْإِيجَابِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ ; وَلِأَنَّهَا يُسْتَبْرَأُ بِهَا الرَّحِمُ أَشْبَهَتْ الْحَيْضَ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ. وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ ; فَإِنَّ الْوُجُوبَ بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِالْغُسْلِ هَاهُنَا، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ وَلَا مَنِيٍّ ; وَإِنَّمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْإِيجَابِ بِهَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ.

وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ مَظِنَّةٌ. قُلْنَا: الْمَظَانُّ إنَّمَا يُعْلَمُ جَعْلُهَا مَظِنَّةً بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَلَا نَصَّ فِي هَذَا وَلَا إجْمَاعَ، وَالْقِيَاسُ الْآخَرُ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ، ثُمَّ قَدْ اخْتَلَفَا فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ، فَلَيْسَ تَشْبِيهُهُ بِهِ فِي هَذَا الْحُكْمِ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ.

(296) فَصْلٌ: إذَا كَانَ عَلَى الْحَائِضِ جَنَابَةٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغُسْلَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ اغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا، صَحَّ غُسْلُهَا، وَزَالَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقَالَ: تَزُولُ الْجَنَابَةَ، وَالْحَيْضُ لَا يَزُولُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ: لَا تَغْتَسِلُ. إلَّا عَطَاءً، فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَيْضُ أَكْبَرُ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: تَغْتَسِلُ. وَهَذَا لِأَنَّ أَحَدَ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ.

(297) فَصْلٌ: وَلَا يَجِبُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُمَا قَالَا: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَابْنُ سِيرِينَ وَالزُّهْرِيُّ. وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ {: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَ مَيِّتًا فَلْيَتَوَضَّأْ} . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ

وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا رِوَايَةً أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ، فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَى مَنْ غَسَّلَ الْمَيِّتَ الْكَافِرَ خَاصَّةً ; لِأَنَّ {النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَغْتَسِلَ لَمَّا غَسَّلَ أَبَاهُ.} وَلَنَا قَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ الرَّازِيّ، قَالَ: {أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ} ; وَلِأَنَّهُ غُسْلُ آدَمِيٍّ فَلَمْ يُوجِبْ الْغُسْلَ كَغُسْلِ الْحَيِّ، وَحَدِيثُهُمْ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَ فِي هَذَا حَدِيثٌ يَثْبُتُ، وَلِذَلِكَ لَا يُعْمَلُ بِهِ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ حَمَلُهُ. وَقَدْ ذُكِرَ لِعَائِشَةِ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ"وَمَنْ حَمَلِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ"قَالَتْ: وَهَلْ هِيَ إلَّا أَعْوَادٌ حَمَلَهَا، ذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت