وَقْتَ الْوُجُوبِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ.
وَيُخَرَّجُ عَلَى هَذَا مَنْ كَانَ صَبِيًّا فَبَلَغَ، أَوْ مَجْنُونًا فَأَفَاقَ، عِنْدَ الْحَوْلِ، وَجَبَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ حَالَةَ السَّبَبِ، فَلَمْ يَثْبُتْ الْحُكْمُ فِيهِ حَالَةَ الشَّرْطِ، كَالْكَافِرِ إذَا مَلَكَ مَالًا ثُمَّ أَسْلَمَ عِنْدَ الْحَوْلِ، لَمْ تَلْزَمْهُ الزَّكَاةُ فِيهِ.
(6826) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَيْسَ عَلَى فَقِيرٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا صَبِيٍّ، وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ، حَمْلُ شَيْءٍ مِنْ الدِّيَةِ)
أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لَأَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فِي تَحَمُّلِ الْعَقْلِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ، وَالصَّبِيَّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ، لَا يَعْقِلَانِ مَعَ الْعَاقِلَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا، عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّ لِلْفَقِيرِ مَدْخَلًا فِي التَّحَمُّلِ. وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ ; لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ، فَكَانَ مِنْ الْعَاقِلَةِ كَالْغَنِيِّ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ تَحَمُّلَ الْعَقْلِ مُوَاسَاةٌ، فَلَا يَلْزَمُ الْفَقِيرَ كَالزَّكَاةِ، وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ تَخْفِيفًا عَنْ الْقَاتِلِ، فَلَا يَجُوزُ التَّثْقِيلُ بِهَا عَلَى مَنْ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ، وَفِي إيجَابِهَا عَلَى الْفَقِيرِ تَثْقِيلٌ عَلَيْهِ، وَتَكْلِيفٌ لَهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّنَا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ أَحَدٌ مِنْ الْعَاقِلَةِ مَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَيُجْحِفُ بِهِ، وَتَحْمِيلُ الْفَقِيرِ شَيْئًا مِنْهَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ، وَيُجْحِفُ بِمَالِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعَ مَالِهِ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ أَصْلًا. وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمَرْأَةُ، فَلَا يَحْمِلُونَ مِنْهَا ; لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى التَّنَاصُرِ، وَلَيْسَ هُمْ مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ.
(6827) فَصْلٌ: وَيَعْقِلُ الْمَرِيضُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الزَّمَانَةِ، وَالشَّيْخُ إذَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الْهَرَمِ ; لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ وَالْمُوَاسَاةِ، وَفِي الزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا: لَا يَعْقِلَانِ ; لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ ; وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا الْجِهَادُ، وَلَا يُقْتَلَانِ إذَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ يُخَرَّجُ فِي الْأَعْمَى ; لِأَنَّهُ مِثْلُهُمَا فِي هَذَا الْمَعْنَى. وَالثَّانِي، يَعْقِلُونَ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْمُوَاسَاةِ ; وَلِهَذَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ. وَهَذَا يُنْتَقَضُ بِالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلِّهِ كَمَذْهَبِنَا.
(6828) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاقِلَةٌ، أَخَذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَى الْقَاتِلِ شَيْءٌ)
الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي فَصْلَيْنِ:
(6829) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ مَنْ لَا عَاقِلَةَ لَهُ، هَلْ يُؤَدِّي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ لَا ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا، يُؤَدَّى عَنْهُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَى الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قُتِلَ بِخَيْبَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي زِحَامٍ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لَعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُطَلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. فَأَدَّى دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَرِثُونَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ،