فهرس الكتاب

الصفحة 3285 من 3896

وَالثَّالِثُ، مَنْ تُسْتَحَبُّ لَهُ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، لَكِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ، وَإِقَامَتِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ، فَتُسْتَحَبُّ لَهُ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ جِهَادِهِمْ، وَتَكْثِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعُونَتِهِمْ، وَيَتَخَلَّصَ مِنْ تَكْثِيرِ الْكُفَّارِ، وَمُخَالَطَتِهِمْ، وَرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ بَيْنَهُمْ. وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ; لِإِمْكَانِ إقَامَةِ وَاجِبِ دِينِهِ بِدُونِ الْهِجْرَةِ. وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ عَمُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ مَعَ إسْلَامِهِ.

وَرَوَيْنَا {أَنَّ نُعَيْمَ النَّحَّامَ، حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ، جَاءَهُ قَوْمُهُ بَنُو عَدِيٍّ، فَقَالُوا لَهُ: أَقِمْ عِنْدَنَا، وَأَنْتَ عَلَى دِينِك، وَنَحْنُ نَمْنَعُك مِمَّنْ يُرِيدُ أَذَاك، وَاكْفِنَا مَا كُنْت تَكْفِينَا. وَكَانَ يَقُومُ بِيَتَامَى بَنِي عَدِيٍّ وَأَرَامِلِهِمْ، فَتَخَلَّفَ عَنْ الْهِجْرَةِ مُدَّةً، ثُمَّ هَاجَرَ بَعْدُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَوْمُك كَانُوا خَيْرًا لَك مِنْ قَوْمِي لِي، قَوْمِي أَخْرَجُونِي، وَأَرَادُوا قَتْلِي، وَقَوْمُك حَفِظُوك وَمَنَعُوك. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: بَلْ قَوْمُك أَخْرَجُوك إلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَجِهَادِ عَدُوِّهِ وَقَوْمِي ثَبَّطُونِي عَنْ الْهِجْرَةِ، وَطَاعَةِ اللَّهِ أَوْ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ} .

(7587) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (مَنْ دَخَلَ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ بِأَمَانٍ، لَمْ يَخُنْهُمْ فِي مَالِهِمْ، وَلَمْ يُعَامِلْهُمْ بِالرِّبَا)

أَمَّا تَحْرِيمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الرِّبَا، مَعَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} وَسَائِرَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ الرِّبَا فِي كُلِّ مَكَان وَزَمَانٍ.

وَأَمَّا خِيَانَتُهُمْ، فَمُحَرَّمَةٌ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَعْطَوْهُ الْأَمَانَ مَشْرُوطًا بِتَرْكِهِ خِيَانَتَهُمْ، وَأَمْنِهِ إيَّاهُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، وَلِذَلِكَ مَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ بِأَمَانٍ، فَخَانَنَا، كَانَ نَاقِضًا لِعَهْدِهِ. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ خِيَانَتُهُمْ، لِأَنَّهُ غَدْرٌ، وَلَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ {صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ} . فَإِنْ خَانَهُمْ، أَوْ سَرَقَ مِنْهُمْ، أَوْ اقْتَرَضَ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّ مَا أَخَذَ إلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ أَوْ إيمَانٍ، رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا بَعَثَ بِهِ إلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ حَرَّمَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ، فَلَزِمَهُ رَدَّ مَا أَخَذَ، كَمَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ مَالِ مُسْلِمٍ.

(7588) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ كَانَ لَهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَهْدٌ، فَنَقَضُوهُ حُورِبُوا، وَقُتِلَ رِجَالُهُمْ، وَلَمْ تُسْبَ ذَرَارِيُّهُمْ، وَلَمْ يُسْتَرَقُّوا، إلَّا مَنْ وُلِدَ بَعْدَ نَقْضِهِ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ، أَوْ أَخَذَ رَجُلٌ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ رِجَالُهُمْ، وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ الْمَوْجُودُونَ قَبْلَ النَّقْضِ، لِأَنَّ الْعَهْدَ شَمِلَهُمْ جَمِيعًا، وَدَخَلَتْ فِيهِمْ الذُّرِّيَّةُ، وَالنَّقْضُ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ رِجَالِهِمْ، فَتَخْتَصُّ إبَاحَةُ الدِّمَاءِ بِهِمْ، وَمِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَنْفَرِدَ الرَّجُلُ بِالْعَهْدِ وَالْأَمَانِ، دُونَ ذُرِّيَّتِهِ وَذُرِّيَّتُهُ دُونَهُ، فَجَازَ أَنْ يَنْتَقِضَ الْعَهْدُ فِيهِ دُونَهُمْ، وَالنَّقْضُ إنَّمَا وُجِدَ مِنْ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ، دُونَ الذُّرِّيَّةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ حُكْمُهُ بِهِمْ.

قَالَ أَحْمَدُ: قَالَتْ امْرَأَةُ عَلْقَمَةَ لَمَّا ارْتَدَّ: إنْ كَانَ عَلْقَمَةُ ارْتَدَّ، فَأَنَا لَمْ أَرْتَدَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ، فِي مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ: لَيْسَ عَلَى الذُّرِّيَّةِ شَيْءٌ. فَأَمَّا مَنْ وُلِدَ فِيهِمْ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ أَمَانٌ بِحَالٍ. وَسَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَا لَحِقُوا بِدَارِ الْحَرْبِ، أَوْ أَقَامُوا بِدَارِ الْإِسْلَامِ. فَأَمَّا نِسَاؤُهُمْ، فَمَنْ لَحِقَتْ مِنْهُنَّ بِدَارِ الْحَرْبِ طَائِعَةً، أَوْ وَافَقَتْ زَوْجَهَا فِي نَقْضِ الْعَهْدَ، جَازَ سَبْيُهَا ; لِأَنَّهَا بَالِغَةٌ عَاقِلَةٌ نَقَضَتْ الْعَهْدَ، فَأَشْبَهَتْ الرَّجُلَ، وَمَنْ لَمْ تَنْقُضْ الْعَهْدَ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَهْدُهَا بِنَقْضِ زَوْجِهَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت