عَنْ تَعْدِيلِهِمْ، وَيَسْتَغْنِي الْحَاكِمُ عَنْ الْكَشْفِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ، فَيَكُونُ فِيهِ تَخْفِيفٌ مِنْ وَجْهٍ، وَيَكُونُونَ أَيْضًا يُزَكُّونَ مَنْ عَرَفُوا عَدَالَتَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ إذَا شَهِدَ.
(8261) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَعِظَ الشَّاهِدَيْنِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلشَّاهِدَيْنِ إذَا حَضَرَا: يَا هَذَانِ، أَلَا تَرَيَانِ ؟ إنِّي لَمْ أَدْعُكُمَا، وَلَسْت أَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجِعَا، وَإِنَّمَا يَقْضِي عَلَى هَذَا أَنْتُمَا، وَأَنَا مُتَّقٍ بِكُمَا، فَاتَّقِيَا. وَفِي لَفْظٍ: وَإِنِّي بِكُمَا أَقْضِي الْيَوْمَ، وَبِكُمَا أَتَّقِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ كُنْت عِنْدَ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ، فَادَّعَى عَلَى رَجُلٍ حَقًّا، فَأَنْكَرَهُ، فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ، فَشَهِدَا لَهُ، فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: وَاَلَّذِي بِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَقَدْ كَذَبَا عَلَيَّ فِي الشَّهَادَةِ.
وَكَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى جَالِسًا، وَقَالَ: سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {إنَّ الطَّيْرَ لَتَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَتَرْمِي مَا فِي حَوَاصِلِهَا، مِنْ هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ شَاهِدَ الزُّورِ لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} . فَإِنْ صَدَقْتُمَا فَاثْبُتَا، وَإِنْ كَذَبْتُمَا فَغَطِّيَا رُءُوسَكُمَا وَانْصَرِفَا. فَغَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَانْصَرَفَا.
(8262) مَسْأَلَةٌ، قَالَ: (وَيَكُونُ كَاتِبُهُ عَدْلًا، وَكَذَلِكَ قَاسِمُهُ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَتَّخِذَ كَاتِبًا ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْتَبَ زِيدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَغَيْرَهُ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ تَكْثُرُ أَشْغَالُهُ وَنَظَرُهُ، فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْكِتَابَةَ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ تَوَلِّي الْكِتَابَةِ بِنَفْسِهِ، جَازَ، وَالِاسْتِنَابَةُ فِيهِ أَوْلَى.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ إلَّا عَدْلًا ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مَوْضِعُ أَمَانَةٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا ; لِيَعْرِفَ مَوَاقِعَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا الْأَحْكَامُ، وَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْجَائِزِ وَالْوَاجِبِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَافِرَ الْعَقْلِ، وَرِعًا، نَزِهًا ; لِئَلَّا يُسْتَمَالَ بِالطَّمَعِ، وَيَكُونَ مُسْلِمًا ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا} وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا مُوسَى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَعَهُ كَاتِبٌ نَصْرَانِيٌّ، فَأَحْضَرَ أَبُو مُوسَى شَيْئًا مِنْ مَكْتُوبَاتِهِ عِنْدَ عُمَرَ، فَاسْتَحْسَنَهُ، وَقَالَ: قُلْ لِكَاتِبِك يَجِيءُ، فَيَقْرَأُ كِتَابَهُ. قَالَ: إنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ. قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالَ: إنَّهُ نَصْرَانِيٌّ. فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ، وَقَالَ: لَا تَأْتَمِنُوهُمْ، وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا تُقَرِّبُوهُمْ، وَقَدْ أَبْعَدَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى، وَلَا تُعِزُّوهُمْ، وَقَدْ أَذَلَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى. وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ، وَالْعَدَالَةُ شَرْطٌ.
، وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَتِهِ وَإِسْلَامِهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، تُشْتَرَطُ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّانِي، لَا تُشْتَرَطُ ; لِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوفِ الْقَاضِي عَلَيْهِ، فَتُؤْمَنُ الْخِيَانَةُ فِيهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ جَيِّدَ الْخَطِّ ; لِأَنَّهُ أَكْمَلُ.
وَأَنْ يَكُونَ حُرًّا ; لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ. وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، جَازَ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَبْدِ جَائِزَةٌ. وَيَكُونَ الْقَاسِمُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي الْكَاتِبِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ حَاسِبًا ; لِأَنَّهُ عَمَلُهُ، وَبِهِ يَقْسِمُ، فَهُوَ كَالْحَظِّ لِلْكَاتِبِ وَالْفِقْهِ لِلْحَاكِمِ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُجْلِسَ كَاتِبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ; لِيُشَاهِدَ مَا يَكْتُبُهُ، وَيُشَافِهَهُ بِمَا يُمْلِي عَلَيْهِ،