الرُّجُوعَ بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهَا حَاصِلَةٌ بِفِعْلِ الِابْنِ، فَجَرَتْ مَجْرَى الْعَيْنِ الْحَاصِلَةِ بِفِعْلِهِ، بِخِلَافِ السِّمَنِ، فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلْأَبِ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، لِأَنَّهُ نَمَاءُ الْعَيْنِ، فَيَكُونُ تَابِعًا لَهَا
وَإِنْ وَهَبَهُ حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الِابْنِ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي الْوَلَدِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً إذَا قُلْنَا: الْحَمْلُ لَا حُكْمَ لَهُ. وَإِنْ وَهَبَهُ حَامِلًا، ثُمَّ رَجَعَ فِيهَا حَامِلًا، جَازَ إذَا لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهَا، وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ. وَإِنْ وَهَبْتَهُ حَائِلًا فَحَمَلَتْ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا دُونَ حَمْلِهَا. وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ، فَزَادَتْ بِهِ قِيمَتُهَا، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ
وَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهَا، جَازَ الرُّجُوعُ فِيهَا. وَإِنْ وَهَبَهُ نَخْلًا فَحَمَلَتْ، فَهِيَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَبَعْدَهُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ.
(4472) فَصْلٌ: وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْعَيْنِ، أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا، لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ فِيهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الِابْنِ فِيمَا تَلِفَ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا تَتْلَفُ عَلَى مِلْكِهِ. وَسَوَاءٌ تَلِفَ بِفِعْلِ الِابْنِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ. وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ، فَهُوَ كَنُقْصَانِهِ بِذَهَابِ بَعْضِ أَجْزَائِهِ، وَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ، فَإِنْ رَجَعَ فِيهِ، ضَمِنَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ. وَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ، فَرَجَعَ الْأَبُ فَيَرْجِعُ الْأَبُ فِيهِ، فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِلِابْنِ ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ
فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ أَرَادَ الْأَبُ الرُّجُوعَ فِي الرَّهْنِ، وَعَلَيْهِ فِكَاكُهُ، لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَلَكَ الرُّجُوعَ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي إذَا أَدَّى أَرْشَ جِنَايَتِهِ ؟ قُلْنَا: الرَّهْنُ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ فِي الْعَيْنِ، بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ، وَلِأَنَّ فَكَّ الرَّهْنِ فَسْخٌ لِعَقْدٍ عَقَدَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَهَا هُنَا لَمْ يَتَعَلَّقْ الْحَقُّ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَقْدِ، فَافْتَرَقَا.
(4473) فَصْلٌ: وَالرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ أَنْ يَقُولَ قَدْ رَجَعْت فِيهَا، أَوْ ارْتَجَعْتهَا، أَوْ ارْتَدَدْتَهَا. أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الرُّجُوعِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بِقَضَاءِ قَاضٍ ; لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ مُسْتَقِرٌّ. وَلَنَا أَنَّهُ خِيَارٌ فِي فَسْخِ عَقْدٍ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى قَضَاءٍ، كَالْفَسْخِ بِخِيَارِ الشَّرْطِ. فَأَمَّا إنْ أَخَذَ مَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ، فَإِنْ نَوَى بِهِ الرُّجُوعَ، كَانَ رُجُوعًا، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي نِيَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ هَلْ نَوَى الرُّجُوعَ أَوْ لَا، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ.
لَمْ يُحْكَمْ بِكَوْنِهِ رُجُوعًا ; لِأَنَّ الْأَخْذَ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وَغَيْرَهُ، فَلَا نُزِيلُ حُكْمًا يَقِينِيًّا بِأَمْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ. وَإِنْ اقْتَرَنَتْ بِهِ قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى الرُّجُوعِ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا، يَكُونُ رُجُوعًا. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ ; لِأَنَّنَا اكْتَفَيْنَا فِي الْعَقْدِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، فَفِي الْفَسْخِ أَوْلَى، وَلِأَنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّمَا كَانَ رُجُوعًا لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ كُلُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ. وَالْآخَرُ، لَا يَكُونُ رُجُوعًا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ يَقِينًا، فَلَا يَزُولُ إلَّا بِالصَّرِيحِ
وَيُمْكِنُ أَنْ يُبْنَى هَذَا عَلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، فَمَنْ أَوْجَبَ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ فِيهِ، لَمْ يَكْتَفِ هَاهُنَا إلَّا بِلَفْظٍ يَقْتَضِي زَوَالَهُ، وَمَنْ اكْتَفَى فِي الْعَقْدِ بِالْمُعَاطَاةِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَا بِهِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى. وَإِنْ نَوَى الرُّجُوعَ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ، لَمْ يَحْصُلْ الرُّجُوعُ، وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ إثْبَاتُ الْمِلِكِ عَلَى مَالٍ مَمْلُوكٍ لِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَسَائِرِ الْعُقُودِ. وَإِنْ عَلَّقَ الرُّجُوعَ بِشَرْطٍ، فَقَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَقَدْ رَجَعْت فِي الْهِبَةِ
لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ لِلْعَقْدِ لَا يَقِفُ عَلَى شَرْطٍ، كَمَا لَا يَقِفُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ.
(4474) مَسْأَلَةٌ قَالَ: ( فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَرْدُدْهُ، فَقَدْ ثَبَتَ لِمَنْ وَهَبَ لَهُ، إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهِ)
يَعْنِي إذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِهِ فِي الْعَطَايَا، أَوْ خَصَّ بَعْضَهُمْ بِعَطِيَّةٍ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَرِدَّهُ، ثَبَتَ ذَلِكَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ،