ذَبْحٌ لَا يُطَهِّرُ اللَّحْمَ، فَلَمْ يُطَهِّرْ الْجِلْدَ، كَذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ. أَوْ ذَبْحٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، فَأَشْبَهَ الْأَصْلَ، وَالْخَبَرُ قَدْ أَجَبْنَا عَنْهُ فِيمَا مَضَى، ثُمَّ نَقُولُ: إنَّ الدَّبْغَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ، فَكَذَلِكَ مَا شُبِّهَ بِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي تَطْهِيرِ غَيْرِهِ، فَلَا يَلْزَمُ حُصُولُ التَّطْهِيرِ بِالذَّكَاةِ، لِكَوْنِ الدَّبْغِ مُزِيلًا لِلْخُبْثِ وَالرُّطُوبَاتِ كُلِّهَا، مُطَيِّبًا لِلْجِلْدِ عَلَى وَجْهٍ يَتَهَيَّأُ بِهِ لِلْبَقَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَغَيَّرُ، وَالذَّكَاةُ لَا يَحْصُلُ بِهَا ذَلِكَ، فَلَا يُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الدَّبْغِ.
وَقَوْلُهُمْ: الْمُشَبَّهُ أَضْعَفُ مِنْ الْمُشَبَّهُ بِهِ. غَيْرُ لَازِمِ ; فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي صِفَةِ الْحُورِ {: كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} ، وَهُنَّ أَحْسَنُ مِنْ الْبَيْضِ، وَالْمَرْأَةُ الْحَسْنَاءُ تُشَبَّهُ بِالظَّبْيَةِ وَبَقَرَةِ الْوَحْشِ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنْهُمَا. وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الدَّبْغَ يَرْفَعُ الْعِلَّةَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْجِلْدَ لَمْ يَنْجُسْ ; لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَإِنَّ الذَّبْحَ لَا يَمْنَعُ مِنْهَا ثُمَّ يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ بِذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَالْمُحْرِمِ، وَبِتَرْكِ التَّسْمِيَةِ، وَمَا شُقَّ بِنِصْفَيْنِ.
(82) فَصْلٌ: ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِالِاسْتِحَالَةِ، إلَّا الْخَمْرَةَ، إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلًّا، وَمَا عَدَاهُ لَا يَطْهُرُ ; كَالنَّجَاسَاتِ إذَا احْتَرَقَتْ وَصَارَتْ رَمَادًا، وَالْخِنْزِيرِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَلَّاحَةِ وَصَارَ مِلْحًا، وَالدُّخَانِ الْمُتَرَقِّي مِنْ وَقُودِ النَّجَاسَةِ، وَالْبُخَارِ الْمُتَصَاعِدِ مِنْ الْمَاءِ النَّجِسِ إذَا اجْتَمَعَتْ مِنْهُ نَدَاوَةٌ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ ثُمَّ قَطَّرَ، فَهُوَ نَجِسٌ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ تَطْهُرَ النَّجَاسَاتُ كُلُّهَا بِالِاسْتِحَالَةِ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرَةِ إذَا انْقَلَبَتْ، وَجُلُودِ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ، وَالْجَلَّالَةِ إذَا حُبِسَتْ، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَقَدْ نَهَى إمَامُنَا رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ الْخَبْزِ فِي تَنُّورٍ شُوِيَ فِيهِ خِنْزِيرٌ.
يَعْنِي: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ، سَوَاءٌ كَانَتْ مَيْتَةَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، أَوْ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، كَالْفِيَلَةِ، وَلَا يَطْهُرُ بِحَالٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَكَرِهَ عَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عِظَامَ الْفِيَلَةِ، وَرَخَّصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَغَيْرُهُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ; لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ} .
وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} وَالْعَظْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا، فَيَكُونُ مُحَرَّمًا، وَالْفِيلُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُوَ نَجِسٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْعَاجُ الذَّبْلُ، وَيُقَال: هُوَ عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْفِيلَ إنَّ ذُكِّيَ فَعَظْمُهُ طَاهِرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ نَجِسٌ ; لِأَنَّ الْفِيلَ مَأْكُولٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {نَهَى عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْفِيلُ أَعْظَمُهَا نَابًا