تَصِحُّ دَعْوَاهُ، وَيَسْتَحْلِفُ فِيهِ، وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ فِيهِ بِعِلْمِهِ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ بَعْدَ الِاعْتِرَافِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ.
(7214) فَصْلٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْحَدِّ بِقَذْفِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، لَمْ تَجُزْ إقَامَتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُطَالِبَ بِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ ; لِأَنَّ مُطَالَبَتَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا تُوجِبُ الْحَدَّ ; لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ شُرِعَ لِلتَّشَفِّي، فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَائِهِ، كَالْقِصَاصِ، فَإِذَا بَلَغَ وَطَالَبَ، أُقِيمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ. وَلَوْ قَذَفَ غَائِبًا، لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ حَتَّى يَقْدَمَ وَيُطَالِبَ، إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ طَالَبَ فِي غَيْبَتِهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَجُوزَ إقَامَتُهُ فِي غَيْبَتِهِ بِحَالٍ ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ الْحَدِّ ; لِكَوْنِهِ يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ. وَلَوْ قَذَفَ عَاقِلًا، فَجُنَّ بَعْدَ قَذْفِهِ وَقَبْلَ طَلَبِهِ، لَمْ تَجُزْ إقَامَتُهُ حَتَّى يُفِيقَ وَيَطْلُبَ، وَكَذَلِكَ إنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ طَالَبَ بِهِ قَبْلَ جُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ، جَازَتْ إقَامَتُهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ.
(7215) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، جُلِدَ أَرْبَعِينَ، بِأَدْوَنَ مِنْ السَّوْطِ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ الْحُرُّ)
أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْعَبْدِ إذَا قَذَفَ الْحُرَّ الْمُحْصَنَ ; لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ; أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْت أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْخُلَفَاءِ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَضْرِبُونَ الْمَمْلُوكَ إذَا قَذَفَ إلَّا أَرْبَعِينَ. وَرَوَى خِلَاسٌ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي عَبْدٍ قَذَفَ حُرًّا: نِصْفُ الْجَلْدِ. وَجَلَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَبْدًا قَذَفَ حُرًّا ثَمَانِينَ. وَبِهِ قَالَ قَبِيصَةُ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَلَعَلَّهمْ ذَهَبُوا إلَى عُمُومِ الْآيَةِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِلْإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ; وَلِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَبَعَّضُ، فَكَانَ الْعَبْدُ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْحُرِّ، كَحَدِّ الزِّنَا، وَهُوَ يَخُصُّ عُمُومَ الْآيَةِ، وَقَدْ عِيبَ عَلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ جَلْدُهُ الْعَبْدَ ثَمَانِينَ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا قَبْلَهُ جَلَدَ الْعَبْدَ ثَمَانِينَ.
وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَضَرْت عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، جَلَدَ عَبْدًا ثَمَانِينَ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ النَّاسِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: إنِّي رَأَيْت وَاَللَّهِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، مَا رَأَيْت أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ فَوْقَ أَرْبَعِينَ. إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِأَدْوَنَ مِنْ السَّوْطِ الَّذِي يُجْلَدُ بِهِ الْحُرُّ ; لِأَنَّهُ لَمَّا خُفِّفَ فِي قَدْرِهِ، خُفِّفَ فِي سَوْطِهِ، كَمَا أَنَّ الْحُدُودَ فِي أَنْفُسِهَا كَمَا قَلَّ مِنْهَا، كَانَ سَوْطُهُ أَخَفَّ، فَالْجَلْدُ فِي الشُّرْبِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الْقَذْفِ، وَفِي الْقَذْفِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي الزِّنَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسَاوِيَ