فهرس الكتاب

الصفحة 838 من 3896

وَلَنَا: أَنَّهُ مَعْنًى طَرَأَ بَعْدَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يُسْقِطْهَا، كَالسَّفَرِ، وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا فِي رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَاسْتَقَرَّتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ عُذْرٌ، وَالْوَطْءُ فِي صَوْمِ الْمُسَافِرِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلِمَ فَالْوَطْءُ ثَمَّ لَمْ يُوجِبْ أَصْلًا، لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُبَاحٌ، فِي سَفَرٍ أُبِيحَ الْفِطْرُ فِيهِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَكَذَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ شَوَّالٍ، فَإِنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ مُوجِبٍ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّ الْوَطْءَ لَمْ يُصَادِفْ رَمَضَانَ، وَالْمُوجِبُ إنَّمَا هُوَ الْوَطْءُ الْمُفْسِدُ لِصَوْمِ رَمَضَانَ.

(2061) فَصْلٌ: إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ، فَاسْتَدَامَ الْجِمَاعَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا صَحِيحًا، فَلَمْ يُوجِبْ الْكَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَجَامَعَ.

وَلَنَا أَنَّهُ تَرَكَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ وَطِئَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَعَكْسُهُ إذَا لَمْ يَنْوِ، فَإِنَّهُ يَتْرُكُهُ لِتَرْكِ النِّيَّةِ لَا الْجِمَاعِ، وَلَنَا فِيهِ مَنْعٌ أَيْضًا. وَأَمَّا إنْ نَزَعَ فِي الْحَالِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ. وَالْقَاضِي: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا ; لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ يَلْتَذُّ بِهِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِدَامَةِ، كَالْإِيلَاجِ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ تَرْكٌ لِلْجِمَاعِ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِمَاعِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ فِيهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا، كَذَلِكَ هَاهُنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: يَبْطُلُ صَوْمُهُ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلَهُ فِي تَرْكِ الْجِمَاعِ، فَأَشْبَهَ الْمُكْرَهَ.

وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقْرُبُ مِنْ الِاسْتِحَالَةِ، إذْ لَا يَكَادُ يَعْلَمُ أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى وَجْهٍ يَتَعَقَّبُهُ النَّزْعُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنْ الْجِمَاعِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى فَرْضِهَا، وَالْكَلَامِ فِيهَا.

(2062) فَصْلٌ: وَمَنْ جَامَعَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ. وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَلَوْ عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ الْوَطْءِ فَاسْتَدَامَ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَأْثَمْ، فَلَا يَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ، كَوَطْءِ النَّاسِي، وَإِنْ عَلِمَ فَاسْتَدَامَ فَقَدْ حَصَلَ الْوَطْءُ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ فِي غَيْرِ صَوْمٍ. وَلَنَا حَدِيثُ الْمُجَامِعِ، إذْ أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّكْفِيرِ، مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ وَلَا تَفْصِيلٍ. وَلِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمَ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ، فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، كَمَا لَوْ عَلِمَ، وَوَطْءُ النَّاسِي مَمْنُوعٌ. ثُمَّ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْفِطْرُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

(2063) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا)

الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ كَفَّارَةَ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي التَّرْتِيبِ، يَلْزَمُهُ الْعِتْقُ إنْ أَمْكَنَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ انْتَقَلَ إلَى الصِّيَامِ، فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلَى إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.

وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، وَبِأَيِّهَا كَفَّرَ أَجْزَأَهُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ; لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، {أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أَوْ إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا} . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَ (أَوْ) حَرْفُ تَخْيِيرٍ. وَلِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْمُخَالَفَةِ، فَكَانَتْ عَلَى التَّخْيِيرِ، كَكَفَّارَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت