فهرس الكتاب

الصفحة 3478 من 3896

لَمْ يَعْلَمْ، وَهَذَا لِأَنَّ الْفَقْرَ يَخْفَى، وَتَشُقُّ مَعْرِفَةُ حَقِيقَتِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ} فَوَجَبَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِظُهُورِهِ وَظَنِّهِ، وَكَذَلِكَ لَمَّا سَأَلَ الرَّجُلَانِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّدَقَةِ، قَالَ: {إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا مِنْهَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ} .

وَإِنْ بَانَ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، كَقَوْلِنَا فِي الزَّكَاةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يَخْفَى، وَلَيْسَ هُوَ فِي مَظِنَّةِ الْخَفَاءِ فَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ الْإِمَامَ، فَأَخْطَأَ فِي الْفَقْرِ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، فَهَلْ يَضْمَنُ ؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ ; بِنَاءً عَلَى خَطَئِهِ فِي الْحَدِّ.

(8029) فَصْلٌ: إذَا أَطْعَمَ مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا، يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ أَطْعَمَهُ فِي يَوْمَيْنِ، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اثْنَيْنِ، جَازَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ وَاحِدٍ، كَالْقَدْرِ الَّذِي يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ مِنْ الزَّكَاةِ. وَالثَّانِي، لَا يُجْزِئُهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ ; لِأَنَّهُ أَعْطَى مِسْكِينًا فِي يَوْمٍ طَعَامَ اثْنَيْنِ، فَلَمْ يُجْزِئْهُ إلَّا عَنْ وَاحِدٍ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ. وَإِنْ أَطْعَمَ اثْنَيْنِ مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، جَازَ. وَلَا نَعْلَمُ فِي جَوَازِهِ خِلَافًا.

وَكَذَلِكَ إنْ أَطْعَمَ وَاحِدًا مِنْ كَفَّارَتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ،، جَازَ أَيْضًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. فَلَوْ كَانَ عَلَى وَاحِدٍ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ، وَعِنْدَهُ عَشَرَةُ مَسَاكِينَ، يُطْعِمُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ كَفَّارَةً يُفَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ، جَازَ ; لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ، فَخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ، وَبَيَانُ أَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ، أَنَّهُ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ كَفَّارَةٍ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ، وَالْحُكْمُ فِي الْكِسْوَةِ كَالْحُكْمِ فِي الطَّعَامِ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ.

(8030) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ (وَإِنْ شَاءَ كَسَا عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ; لِلرَّجُلِ ثَوْبٌ يُجْزِئُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَلِلْمَرْأَةِ دِرْعٌ وَخِمَارٌ)

لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَصْنَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِنَصِّ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهَا فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ كِسْوَتُهُمْ} .

وَلَا تَدْخُلُ فِي كَفَّارَةٍ غَيْرِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَقَلُّ مِنْ كِسْوَةِ عَشَرَةٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى: {فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلَيْكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ} . وَتَتَقَدَّرُ الْكِسْوَةُ بِمَا يُجْزِئُ الصَّلَاةُ فِيهِ ; فَإِنْ كَانَ رَجُلًا، فَثَوْبٌ تُجْزِئُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً، فَدِرْعٌ وَخِمَارٌ.

وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ. وَمِمَّنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُهُ السَّرَاوِيلُ. الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: ثَوْبٌ جَامِعٌ وَقَالَ الْحَسَنُ: كُلُّ مِسْكِينٍ حُلَّةٌ ; إزَارٌ وَرِدَاءٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُجْزِئُهُ ثَوْبٌ ثَوْبٌ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ: يُجْزِئُ الْعِمَامَةُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَبَاءَةٌ وَعِمَامَةٌ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُجْزِئُ أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، مِنْ سَرَاوِيلَ، أَوْ إزَارٍ، أَوْ رِدَاءٍ، أَوْ مُقَنَّعَةٍ، أَوْ عِمَامَةٍ، وَفِي الْقَلَنْسُوَةِ وَجْهَانِ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْكِسْوَةِ، فَأَجْزَأَ، كَاَلَّذِي تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ.

وَلَنَا، أَنَّ الْكِسْوَةَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْكَفَّارَةِ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، كَالْإِطْعَامِ وَالْإِعْتَاقِ، وَلِأَنَّ التَّكْفِيرَ عِبَادَةٌ تُعْتَبَرُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت