فهرس الكتاب

الصفحة 3463 من 3896

حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ. لَمْ يَحْنَثْ، وَلَيْسَ لَهُ اسْتِثْنَاءٌ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. قَالَ حَنْبَلٌ: قَالَ: لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ الْأَيْمَانِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ.

وَقَالَ طَاوُسٌ، وَحَمَّادٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِمَا ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ} . وَلِأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ بِشَرْطٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُهُ، فَلَمْ يَقَعَا، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِمَشِيئَةِ زَيْدٍ، وَلَمْ تَتَحَقَّقْ مَشِيئَتُهُ وَلَنَا، أَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ، فَوَقَعَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَثْنِ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا تَنَاوَلَ الْأَيْمَانَ، وَلِيس هَذَا بِيَمِينٍ، إنَّمَا هُوَ تَعْلِيقٌ عَلَى شَرْطٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّمَا وَرَدَّ التَّوْقِيفُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى، وَقَوْلُ الْمُتَقَدِّمِينَ: الْأَيْمَانُ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. إنَّمَا جَاءَ عَلَى التَّقْرِيبِ، وَالِاتِّسَاعِ وَلَا يَمِينَ فِي الْحَقِيقَةِ إلَّا بِاَللَّهِ - تَعَالَى، وَهَذَا طَلَاقٌ وَعَتَاقٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الطَّلَاقِ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا.

(8001) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ. لَمْ تَطْلُقْ إنْ تَزَوَّجَ بِهَا. وَإِنْ قَالَ: إذَا مَلَكْت فُلَانًا فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَهُ صَارَ حُرًّا)

اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَعَنْهُ: لَا يَقَعُ طَلَاقٌ، وَلَا عِتْقٌ. رُوِيَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَعُرْوَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَوَّارٌ وَالْقَاضِي، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَشُرَيْحٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ} قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهُوَ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ.

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَإِنْ عَيَّنَهَا} رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي عَنْ الْخَلَّالِ، عَنْ الرَّمَادِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنْ الضَّحَّاكِ، عَنْ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ} .

قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِدَّةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ بِالْمُبَاشَرَةِ، لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ صِفَةٌ، كَالْمَجْنُونِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُمْ مُخَالِفًا فِي عَصْرِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدْ، أَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْعِتْقِ وَلَا يَصِحُّ فِي الطَّلَاقِ. قَالَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: إذَا قَالَ: إنْ اشْتَرَيْت هَذَا الْغُلَامَ فَهُوَ حُرٌّ. فَاشْتَرَاهُ عَتَقَ، وَإِنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ.

فَهَذَا غَيْرُ الطَّلَاقِ، هَذَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالطَّلَاقُ يَمِينٌ، لَيْسَ هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا فِيهِ قُرْبَةٌ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى. قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ الشَّافِي: لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ الطَّلَاقَ إذَا وَقَعَ قَبْلَ النِّكَاحِ لَا يَقَعُ، وَأَنَّ الْعَتَاقَ يَقَعُ، إلَّا مَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونُ فِي الْعِتْقِ، أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَمَا أُرَاهُ إلَّا غَلَطًا، كَذَلِكَ سَمِعْت الْخَلَّالَ يَقُولُ، فَإِنْ كَانَ حَفِظَ فَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ نَاذِرَ الْعِتْقِ يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَأَنَّ نَاذِرَ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِهِ، فَكَمَا افْتَرَقَا فِي النَّذْرِ، جَازَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي الْيَمِينِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ: أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرُّ. فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَهُوَ تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ عَلَى الْمِلْكِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت