مَسْأَلَةٌ ; قَالَ: وَيُزَوِّجُ مَوْلَاتَهَا مَنْ يُزَوِّجُ أَمَتَهَا يَعْنِي عَتِيقَتَهَا. وَهَذِهِ فِيهَا رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، أَنَّ لِمَوْلَاتِهَا التَّوْكِيلَ فِي تَزْوِيجِهَا رَجُلًا ; لِأَنَّهَا عَصَبَتُهَا، وَتَرِثُهَا بِالتَّعْصِيبِ، فَأَشْبَهْت الْمُعْتِقَ. وَالثَّانِيَةُ، وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا وَلِيُّهَا. وَهِيَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ هَذِهِ وِلَايَةٌ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، وَالْمَرْأَةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ إلَى عَصَبَاتِهَا، لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهَا، وَيَرِثُونَهَا بِالتَّعْصِيبِ عِنْدَ عَدَمِ سَيِّدَتِهَا، فَكَانُوا أَوْلِيَاءَهَا، كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ عَلَى الْمُعْتِقِ تَزْوِيجُ مُعْتَقَتِهِ لِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا انْقَرَضَ الْعَصَبَةُ مِنْ النَّسَبِ، وَلِي الْمَوْلَى الْمُعْتِقُ ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، كَذَا هَاهُنَا، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ هَاهُنَا تَقْدِيمُ أَبِي الْمُعْتَقَةِ عَلَى ابْنِهَا، لِأَنَّهُ الَّذِي يُزَوِّجُهَا.
وَذَكَرْنَا ثَمَّ خِلَافَ هَذَا. وَيُعْتَبَرُ فِي وِلَايَتِهِ شَرْطَانِ ; أَحَدُهُمَا، عَدَمُ الْعَصَبَةِ مِنْ النَّسَبِ ; لِأَنَّ الْمُنَاسِبَ أَقْرَبُ مِنْ الْمُعْتِقِ، وَأَوْلَى مِنْهُ. الثَّانِي، إذْنُ الْمُزَوِّجَةِ ; لِأَنَّهَا حُرَّةٌ، وَلَيْسَتْ لَهُ وِلَايَةُ إجْبَارٍ، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ الْعَصَبَاتِ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ مَوْلَاتِهَا ; لِأَنَّهَا لَا وِلَايَةَ لَهَا وَلَا مِلْكَ، فَأَشْبَهَتْ قَرِيبَ الطِّفْلِ إذَا زَوَّجَ الْبَعِيدَ.
(5175) فَصْلٌ: وَإِذَا كَانَ لِلْأَمَةِ مَوْلًى، فَهُوَ وَلِيُّهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا مَوْلَيَانِ، فَالْوِلَايَةُ لَهُمَا، وَلَيْسَ لَوَاحِدٍ مِنْهُمَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْوِلَايَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهَا. وَإِنْ اشْتَجَرَا لَمْ يَكُنْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَنُوبَ عَنْهُمَا ; لِأَنَّ تَزْوِيجَهَا تَصَرُّفٌ فِي الْمَالِ، بِخِلَافِ الْحُرَّةِ، فَإِنَّ نِكَاحَهَا حَقٌّ لَهَا، وَنَفْعَهُ عَائِدٌ إلَيْهَا، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ حَقٌّ لِسَيِّدِهَا، وَنَفْعُهُ عَائِدٌ إلَيْهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لِلسُّلْطَانِ عَنْهُ فِيهِ. فَإِنْ أَعْتَقَاهَا وَلَهَا عَصَبَةٌ مُنَاسِبٌ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَصَبَةٌ، فَهُمَا وَلِيَّاهَا، وَلَا يَسْتَقِلُّ أَحَدُهُمَا بِالتَّزْوِيجِ ; لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَى نِصْفِهَا
فَإِنْ اشْتَجَرَا أَمَامَ الْحَاكِمِ أَقَامَ الْحَاكِمُ مُقَامَ الْمُمْتَنِعِ مِنْهُمَا ; لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً، وَصَارَ نِكَاحُهَا حَقًّا لَهَا. وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ أَوْ الْمُعْتِقَةُ وَاحِدًا، وَلَهُ عَصَبَتَانِ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، كَالِابْنَيْنِ أَوْ الْأَخَوَيْنِ، فَلِأَحَدِهِمَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَزْوِيجِهَا، كَمَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ سَيِّدَتِهَا.
(5176) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً هُوَ وَلِيُّهَا، جَعَلَ أَمْرَهَا إلَى رَجُلٍ يُزَوِّجُهَا مِنْهُ بِإِذْنِهَا)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، وَهُوَ ابْنُ الْعَمِّ، أَوْ الْمَوْلَى أَوْ الْحَاكِمُ، أَوْ السُّلْطَانُ، إذَا أَذِنَتْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ ذَلِكَ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَلِيَ طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِنَفْسِهِ ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ; إحْدَاهُمَا، لَهُ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَرَبِيعَةَ، وَمَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ ; لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، لِأُمِّ حَكِيمٍ ابْنَةِ قَارِظٍ: أَتَجْعَلِينَ أَمْرَكِ إلَيَّ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ تَزَوَّجْتُك.
وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ، فَجَازَ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا، كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ عَبْدَهُ الصَّغِيرَ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ وُجِدَ فِيهِ الْإِيجَابُ مِنْ وَلِيٍّ ثَابِتِ الْوِلَايَةِ، وَالْقَبُولُ مِنْ زَوْجٍ هُوَ أَهْلٌ لِلْقَبُولِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ وُجِدَا مِنْ رَجُلَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {: أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا.} فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {: كُلُّ نِكَاحٍ لَمْ يَحْضُرْهُ أَرْبَعَةٌ فَهُوَ سِفَاحٌ: زَوْجٌ، وَوَلِيٌّ، وَشَاهِدَانِ} . قُلْنَا: هَذَا لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَنْ