أَجْزَاؤُهَا، وَتَتَبَايَنُ صِفَاتُهَا، فَالْقِيمَةُ فِيهَا أَعْدَلُ وَأَقْرَبُ إلَيْهَا، فَكَانَتْ أَوْلَى. وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ بِالتَّرَاضِي، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهَا تَرْضَى بِذَلِكَ.
(3932) فَصْلٌ: وَمَا تَتَمَاثَلُ أَجْزَاؤُهُ، وَتَتَقَارَبُ صِفَاتُهُ، كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ، ضَمِنَ بِمِثْلِهِ. بِغَيْرِ خِلَافٍ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ: كُلُّ مَطْعُومٍ، مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ، فَمُجْمَعٌ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مُسْتَهْلِكِهِ مِثْلُهُ لَا قِيمَتُهُ. وَأَمَّا سَائِرُ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِمِثْلِهِ أَيْضًا ; فَإِنَّهُ قَالَ: فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَانِئٍ: مَا كَانَ مِنْ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ دُونَ الْقِيمَةِ. فَظَاهِرُ هَذَا وُجُوبُ الْمِثْلِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا فِيهِ صِنَاعَةٌ، كَمَعْمُولِ الْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ مِنْ الْأَوَانِي وَالْآلَاتِ وَنَحْوِهَا.
وَالْحُلِيِّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَشِبْهِهِ، وَالْمَنْسُوجِ مِنْ الْحَرِيرِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ وَالشَّعْرِ، وَالْمَغْزُولِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ بِقِيمَتِهِ ; لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ تُؤَثِّرُ فِي قِيمَتِهِ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ، فَالْقِيمَةُ فِيهِ أَحْصَرُ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ النُّقْرَةَ وَالسَّبِيكَةَ مِنْ الْأَثْمَانِ، وَالْعِنَبَ وَالرُّطَبَ وَالْكُمَّثْرَى إنَّمَا يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا. وَإِنَّمَا خَرَجَ مِنْهُ مَا فِيهِ الصِّنَاعَةُ ; لِمَا ذَكَرْنَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَضْمَنَ النَّقْرَةَ بِقِيمَتِهَا، لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِهَا إلَّا بِتَكْسِيرِ الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ وَسَبْكِهَا، وَفِيهِ إتْلَافٌ.
فَعَلَى هَذَا، إنْ كَانَ الْمَضْمُونُ بِقِيمَتِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَثْمَانِ، وَجَبَتْ قِيمَتُهُ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَجَبَتْ بِكُلِّ حَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِهِ، فَكَانَتْ مَوْزُونَةً وَجَبَتْ. وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، قُوِّمَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الرِّبَا. وَقَالَ الْقَاضِي: إنْ كَانَتْ فِيهِ صِنَاعَةٌ مُبَاحَةٌ، فَزَادَتْ قِيمَتُهُ مِنْ أَجْلِهَا، جَازَ تَقْوِيمُهُ بِجِنْسِهِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قِيمَتُهُ، وَالصِّنَاعَةُ لَهَا قِيمَةٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كُسِرَ الْحُلِيُّ، وَجَبَ أَرْشُ كَسْرِهِ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ، لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا يُقَابِلُهَا الْعِوَضُ فِي الْعُقُودِ، وَيُقَابِلُهَا فِي الْإِتْلَافِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تَنْفَرِدُ بِالْعَقْدِ، وَتَنْفَرِدُ بِضَمَانِهَا بِالْإِتْلَافِ. قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَأْخُوذَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ، فَالزِّيَادَةُ فِيهِ رِبًا، كَالْبَيْعِ وَكَالنَّقْصِ.
وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: إذَا كَسَرَ الْحُلِيَّ، يُصْلِحُهُ أَحَبُّ إلَيَّ. قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمَا تَرَاضَيَا بِذَلِكَ، لَا أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ الْوُجُوبِ. وَهَذَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الصِّنَاعَةُ مُبَاحَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً كَالْأَوَانِي وَحُلِيِّ الرِّجَالِ، لَمْ يَجُزْ ضَمَانُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَا قِيمَةَ لَهَا شَرْعًا، فَهِيَ كَالْمَعْدُومَةِ.
(3933) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ غَصَبَ أَرْضًا، فَغَرَسَهَا، أُخِذَ بِقَلْعِ غَرْسِهِ وَأُجْرَتِهَا إلَى وَقْتِ تَسْلِيمِهَا، وَمِقْدَارِ نُقْصَانِهَا، إنْ كَانَ نَقَصَهَا الْغَرْسُ)
.الْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُصُولٍ: (3934) أَحَدُهَا، أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ غَصْبُ الْعَقَارِ مِنْ الْأَرَاضِي وَالدُّورِ، وَيَجِبُ ضَمَانُهَا عَلَى غَاصِبَهَا. هَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَصْحَابِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَرَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ،