وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا مَذْهَبَ أَهْلِ الْكُوفَة ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الشَّهَادَةِ بِحَالٍ أَدَائِهَا، وَهُوَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ مِنْ أَهْلِ التَّحْصِيلِ وَالْعَقْلِ الثَّابِتِ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَالصَّبِيِّ إذَا كَبَرَ، وَلِأَنَّهُ عَدْلٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، فَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، كَالصَّحِيحِ، وَزَوَالُ عَقْلِهِ فِي غَيْرِ حَالِ الشَّهَادَةِ لَا يَمْنَعُ قَبُولَهَا، كَالصَّحِيحِ الَّذِي يَنَامُ، وَالْمَرِيضِ الَّذِي يُغْمَى عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ.
(8493) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الطَّبِيبِ فِي الْمُوضِحَةِ، إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى طَبِيبَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْبَيْطَارُ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا اُخْتُلِفَ فِي الشَّجَّةِ، هَلْ هِيَ مُوضِحَةٌ أَوْ لَا ؟ أَوْ فِيمَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْهَا، كَالْهَاشِمَةِ، وَالْمُنَقِّلَةِ، وَالْآمَّةِ، وَالدَّامِغَةِ، أَوْ أَصْغَرَ مِنْهَا، كَالْبَاضِعَةِ، وَالْمُتَلَاحِمَةِ، وَالسِّمْحَاقِ، أَوْ فِي الْجَائِفَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِرَاحِ، الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إلَّا الْأَطِبَّاءُ، أَوْ اخْتَلَفَا فِي دَاءٍ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْأَطِبَّاءُ، أَوْ فِي دَاءِ الدَّابَّةِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ إذَا قُدِرَ عَلَى طَبِيبِينَ، أَوْ بَيْطَارَيْنِ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَمْ تُقْبَلْ فِيهِ شَهَادَةُ وَاحِدٍ، كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، فَإِنْ لَمْ يُقْدَرْ عَلَى اثْنَيْنِ، أَجْزَأَ وَاحِدٌ ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ كُلُّ وَاحِدٍ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ أَهْلُ الْخِبْرَةِ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَة، فَاجْتُزِئَ فِيهِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، بِمَنْزِلَةِ الْعُيُوبِ تَحْتَ الثِّيَابِ، يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ، فَقَبُولُ قَوْلِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ أَوْلَى.
(8494) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، إذَا قَالَ: اشْهَدْ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَشَهِدَ عَلَى مِائَةٍ دُونَ مِائَةٍ، كَرِهَ، إلَّا أَنْ يَقُولَ: أَشْهَدُ وَلِي عَلَى مِائَةٍ وَمِائَةٍ. يَحْكِيه كُلَّهُ لِلْحَاكِمِ كَمَا كَانَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا شَهِدَ عَلَى أَلْفٍ، وَكَانَ الْحَاكِم لَا يَحْكُمُ إلَّا عَلَى مِائَةٍ وَمِائَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ: أُرِيدُ أَنْ تَشْهَدَ لِي عَلَى مِائَةٍ، لَمْ يَشْهَدْ إلَّا بِأَلْفٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَذَلِكَ أَنَّ عَلَى الشَّاهِدِ نَقْلَ الشَّهَادَةِ عَلَى مَا شَهِدَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا} .
وَلِأَنَّهُ لَوْ سَاغَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَعْضِ مَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ، لَسَاغَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ بِبَعْضِ مَا شَهِدَ بِهِ الشَّاهِدُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: عِنْدِي يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ مَنْ شَهِدَ بِأَلْفٍ، فَقَدْ شَهِدَ بِمِائَةٍ، فَإِذَا شَهِدَ بِمِائَةٍ، لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا فِي شَهَادَتِهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ كَانَ قَدْ أَقْرَضَهُ مِائَةً مَرَّةً، وَتِسْعَمِائَةٍ مَرَّةً أُخْرَى. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ بِمِائَةٍ رُبَّمَا أَوْهَمَتْ أَنَّ هَذِهِ الْمِائَةَ غَيْرُ الَّتِي شَهِدَتْ بِأَصْلِهِ، فَيُؤَدِّي إلَى إيجَابِهَا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ.
(8495) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: إذَا شَهِدَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَهُ مِنْ دَرَاهِمِ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَدَنَانِيرِهِ. قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يُحْمَلَ مُطْلَقُ الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ، جَازَ أَنْ تُحْمَلَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.