فهرس الكتاب

الصفحة 3510 من 3896

الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، جُنَّ الْعَبْدُ، فَضَرَبَهُ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ ; لِأَنَّهُ حَيٌّ يَتَأَلَّمُ بِالضَّرْبِ، وَإِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ، حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُهُ فِي غَدٍ، فَفِيهِ نَحْوٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَمَتَى فَاتَ ضَرْبُهُ بِمَوْتِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَحْنَثْ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ.

(8109) فَصْلٌ: وَإِنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ مَاءَ هَذَا الْكُوزِ غَدًا. فَانْدَفَقَ الْيَوْمَ، أَوْ: لَآكُلَنَّ هَذَا الْخُبْزَ غَدًا. فَتَلِفَ، فَهُوَ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا ذَكَرْنَا فِي الْعَبْدِ. قَالَ صَالِحٌ: سَأَلْت أَبِي عَنْ الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ يَشْرَبَ هَذَا الْمَاءَ، فَانْصَبَّ ؟ قَالَ: يَحْنَثُ. وَكَذَلِكَ إنَّ حَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ هَذَا الرَّغِيفَ، فَأَكَلَهُ كَلْبٌ ؟ قَالَ: يَحْنَثُ ; لِأَنَّ هَذَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

(8110) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ حِينًا، فَكَلَّمَهُ قَبْلَ السِّتَّةِ أَشْهُرٍ، حَنِثَ)

.وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حِينًا، فَإِنْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِلَفْظِهِ أَوْ بِنِيَّتِهِ بِزَمَنٍ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإِنْ أَطْلَقَهُ، انْصَرَفَ إلَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ: هُوَ سَنَةٌ ; لِقَوْلِهِ اللَّهِ تَعَالَى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} . أَيْ كُلَّ عَامٍ.

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا قَدْرَ لَهُ، وَيَبَرُّ بِأَدْنَى زَمَنٍ ; لِأَنَّ الْحِينَ اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} . قِيلَ: أَرَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ} . وَقَالَ: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ} . وَقَالَ: {حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} . وَيُقَالُ: جِئْت مُنْذُ حِينٍ. وَإِنْ كَانَ أَتَاهُ مِنْ سَاعَةٍ. وَلَنَا، أَنَّ الْحِينَ الْمُطْلَقَ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَقَلُّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ.

قَالَ عِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي قَوْله تَعَالَى: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} : إنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ. فَيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِ الْآدَمِيِّ عَلَى مُطْلَقِ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ مُخَالِفًا فِي الصَّحَابَةِ، وَمَا اسْتَشْهَدُوا بِهِ مِنْ الْمُطْلَقِ فِي كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَمَا ذَكَرْنَاهُ أَقَلُّهُ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ.

(8111) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ حُقْبًا. فَذَلِكَ ثَمَانُونَ عَامًا، وَقَالَ مَالِكٌ أَرْبَعُونَ عَامًا ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: هُوَ أَدْنَى زَمَانٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ تَقْدِيرٌ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} : الْحُقْبُ ثَمَانُونَ سَنَةً. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ حُجَّةٌ، وَلِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ يُفْضِي إلَى حَمْلِ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى: {لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} وَقَوْلِ مُوسَى: {أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} إلَى اللُّكْنَةِ ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ التَّكْثِيرِ، فَإِذَا صَارَ مَعْنَى ذَلِكَ (لَابِثِينَ فِيهَا) سَاعَاتٍ أَوْ لَحَظَاتٍ أَوْ، أَمْضِيَ لَحَظَاتٍ وَسَاعَاتٍ، صَارَ مُقْتَضَى ذَلِكَ التَّقْلِيلَ، وَهُوَ ضِدُّ مَا أَرَادَ اللَّهُ - تَعَالَى بِكَلَامِهِ، وَضِدُّ الْمَفْهُومِ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا نَعْلَمُ، فَلَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْحُقْبِ بِهِ.

(8112) فَصْلٌ: فَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمَهُ زَمَنًا، أَوْ وَقْتًا، أَوْ دَهْرًا، أَوْ عُمْرًا، أَوْ مَلِيًّا، أَوْ طَوِيلًا، أَوْ بَعِيدًا، أَوْ قَرِيبًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت