فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْقَرِيبُ مَحْبُوسًا، أَوْ أَسِيرًا فِي مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، لَا تُمْكِنُ مُرَاجَعَتُهُ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ، فَإِنَّ الْبُعْدَ لَمْ يُعْتَبَرْ لِعَيْنِهِ، بَلْ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إلَى التَّزْوِيجِ بِنَظَرِهِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ هَاهُنَا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ غَائِبًا لَا يُعْلَمُ أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ، أَوْ عُلِمَ أَنَّهُ قَرِيبٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ مَكَانُهُ، فَهُوَ كَالْبَعِيدِ.
(5189) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زُوِّجَتْ مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ)
اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي اشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا شَرْطٌ لَهُ. قَالَ: إذَا تَزَوَّجَ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَشْرَبُ الشَّرَابَ: مَا هُوَ بِكُفْءٍ لَهَا، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ: لَوْ كَانَ الْمُتَزَوِّجُ حَائِكًا فَرَّقْت بَيْنَهُمَا ; لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لِأَمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الْأَحْسَابِ، إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ. وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: خَرَجَ سَلْمَانُ وَجَرِيرٌ فِي سَفَرٍ، فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِسَلْمَانِ: تَقَدَّمْ أَنْتَ. قَالَ سَلْمَانُ: بَلْ أَنْتَ تَقَدَّمْ، فَإِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ، وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُكُمْ، إنَّ اللَّهَ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَهُ فِيكُمْ. وَلِأَنَّ التَّزْوِيجَ، مَعَ فَقْدِ الْكَفَاءَةِ، تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ مَنْ يَحْدُثُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ {لَا تُنْكِحُوا النِّسَاءَ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ، وَلَا يُزَوِّجُهُنَّ إلَّا الْأَوْلِيَاءُ} . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ: هَذَا ضَعِيفٌ، لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي النِّكَاحِ. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَابْنِ سِيرِينَ وَابْنِ عَوْنٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} . وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. إنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ ابْنَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. {وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَنْ تَنْكِحَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَوْلَاهُ، فَنَكَحَهَا بِأَمْرِهِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
{وَزَوَّجَ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ابْنَةَ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الْأَسَدِيَّةَ.} وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِأُخْتِهِ: أُنْشِدُك اللَّهَ أَنْ تَتَزَوَّجِي مُسْلِمًا، وَإِنْ كَانَ أَحْمَرَ رُومِيًّا، أَوْ أَسْوَدَ حَبَشِيًّا. وَلِأَنَّ الْكَفَاءَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا حَقًّا لِلْمَرْأَةِ، أَوْ الْأَوْلِيَاءِ، أَوْ لَهُمَا، فَلَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُهَا، كَالسَّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ. وَقَدْ رُوِيَ {أَنَّ أَبَا هِنْدٍ حَجَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْيَافُوخِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا بَنِي بَيَاضَةَ، أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ، وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ} . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَهُ، وَأَنْكَرَهُ إنْكَارًا شَدِيدًا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ، وَمَا رُوِيَ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُهَا ; وَذَلِكَ لِأَنَّ لِلزَّوْجَةِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فِيهَا حَقًّا،