فَصْلٌ: مَنْ أَسْلَمَ أَوْ عَتَقَ مِنْ الْعَبِيدِ، فَهُوَ كُفْءٌ لِمَنْ لَهُ أَبَوَانِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِكُفْءٍ. وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; فَإِنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَكْثَرُهُمْ أَسْلَمُوا، وَكَانُوا أَفْضَلَ الْأُمَّةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمْ غَيْرُ أَكْفَاءٍ لِلتَّابِعِينَ.
(5196) فَصْلٌ: فَأَمَّا وَلَدُ الزِّنَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ كُفُؤًا لِذَاتِ نَسَبٍ ; فَإِنَّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ ذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ يَنْكِحُ وَيُنْكَحُ إلَيْهِ ؟ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُجِبْ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تُعَيَّرُ بِهِ هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا، وَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إلَى وَلَدِهَا. وَأَمَّا كَوْنُهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِعَرَبِيَّةٍ، فَلَا إشْكَالَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَدْنَى حَالًا مِنْ الْمَوْلَى.
(5197) فَصْلٌ: وَالْمَوَالِي بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْعَجَمُ، قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ لَهُ مَوْلَاةٌ: يُزَوِّجُهَا الْخُرَاسَانِيَّ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {مَوَالِي الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} . هُوَ فِي الصَّدَقَةِ، فَأَمَّا فِي النِّكَاحِ فَلْيَنْكِحْ. وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ يُكَافِئُهُمْ ; لِهَذَا الْخَبَرِ، {وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَوَّجَ زَيْدًا وَأُسَامَةَ عَرَبِيَّتَيْنِ،} وَلِأَنَّ مَوَالِيَ بَنِي هَاشِمٍ سَاوُوهُمْ فِي حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ، فَيُسَاوُونَهُمْ فِي الْكَفَاءَةِ
وَلَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ ; فَإِنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَوَالِي أَكْفَاءَ لِلْعَرَبِ، فَإِنَّ الْمَوْلَى إذَا كَانَ كُفْءَ سَيِّدِهِ كَانَ كُفُؤًا لِمَنْ يُكَافِئُهُ سَيِّدُهُ، فَيَبْطُلُ اعْتِبَارُ الْمَنْصِبِ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّدَقَةِ، لَا فِي النِّكَاحِ. وَلِهَذَا لَا يُسَاوُونَهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْخُمُسِ، وَلَا فِي الْإِمَامَةِ، وَلَا فِي الشَّرَفِ. وَأَمَّا زَيْدٌ وَأُسَامَةُ، فَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِنِكَاحِهِمَا عَرَبِيَّتَيْنِ عَلَى أَنَّ فَقْدَ الْكَفَاءَةِ لَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَاعْتَذَرَ أَحْمَدُ عَنْ تَزْوِيجِهِمَا، بِأَنَّهُمَا عَرَبِيَّانِ، فَإِنَّهُمَا مِنْ كَلْبٍ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِمَا رِقٌّ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذَا حُكْمَ كُلِّ عَرَبِيِّ الْأَصْلِ.
(5198) فَصْلٌ: فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، فَإِنَّ أَحْمَدَ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الْجَهْمِيُّ: يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَكَذَلِكَ إذَا زَوَّجَ الْوَاقِفِيّ، إذَا كَانَ يُخَاصِمُ وَيَدْعُو، وَإِذَا زَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّفْظِيَّةِ، وَقَدْ كَتَبَ الْحَدِيثَ، فَهَذَا شَرٌّ مِنْ جَهْمِي، يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَقَالَ: لَا يُزَوِّجُ بِنْتَهُ مِنْ حَرُورِيٍّ مَرَقَ مِنْ الدِّينِ، وَلَا مِنْ الرَّافِضِيِّ، وَلَا مِنْ الْقَدَرِيِّ، فَإِذَا كَانَ لَا يَدْعُو فَلَا بَأْسَ. وَقَالَ: مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيِّ فِي الْخِلَافَةِ، فَلَا تُنَاكِحُوهُ، وَلَا تُكَلِّمُوهُ. قَالَ الْقَاضِي: الْمُقَلِّدُ مِنْهُمْ يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ، وَمَنْ كَانَ دَاعِيَةً مِنْهُمْ فَلَا يَصِحُّ تَزْوِيجُهُ.
(5199) فَصْلٌ: وَالْكَفَاءَةُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مُكَافِئَ لَهُ، وَقَدْ تَزَوَّجَ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، وَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ، وَتَسَرَّى بِالْإِمَاءِ، وَقَالَ: {مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ جَارِيَةٌ، فَعَلَّمَهَا، وَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، وَأَحْسَنَ إلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ} . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ الْوَلَدَ يَشْرُفُ بِشَرَفِ أَبِيهِ، لَا بِأُمِّهِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ فِي الْأُمِّ.
(5200) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ، فَوَضَعَهَا فِي كَفَاءَةٍ، فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ، وَإِنْ كَرِهَتْ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً)
أَمَّا الْبِكْرُ الصَّغِيرَةُ، فَلَا خِلَافَ فِيهَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ نِكَاحَ الْأَبِ ابْنَتَهُ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ جَائِزٌ، إذَا زَوَّجَهَا مِنْ كُفْءٍ، وَيَجُوزُ لَهُ تَزْوِيجُهَا مَعَ كَرَاهِيَتِهَا وَامْتِنَاعِهَا. وَقَدْ دَلَّ عَلَى جَوَازِ