مِنْ الْمُدَبَّرِ قَدْرُ سُدُسِهِ، وَكَانَ الْمُسْتَوْفَى بَيْنَ الِابْنَيْنِ وَالْوَصِيِّ أَسْدَاسًا ; لِلْوَصِيِّ سُدُسُهُ، وَلَهُمَا خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ، فَيَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الْمِائَةِ وَثُلُثُهَا وَسُدُسُ الْعَبْدِ، وَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ، وَيَحْصُلُ لِلْوَصِيِّ سُدُسُ الْمِائَتَيْنِ وَسُدُسُ الْعَبْدِ، وَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ، وَيَعْتِقُ مِنْ الْمُدَبَّرِ نِصْفُهُ، وَهُوَ قَدْرُ حَقِّهِ.
(8685) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا دَبَّرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَانَ تَدْبِيرُهُ جَائِزًا، إذَا كَانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ فَصَاعِدًا، وَكَانَ يَعْرِفُ التَّدْبِيرَ. وَمَا قُلْتُهُ فِي الرَّجُلِ، فَالْمَرْأَةُ مِثْلُهُ، إذَا كَانَ لَهَا تِسْعُ سِنِينَ فَصَاعِدًا)
وَجُمْلَتُهُ أَنَّ تَدْبِيرَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، وَوَصِيَّتَهُ، جَائِزَةٌ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. قَالَ: بَعْضُ أَصْحَابِهِ: هُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَشُرَيْحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ، كَالْمَجْنُونِ. وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ مَالِكٍ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إعْتَاقُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ تَدْبِيرُهُ، كَالْمَجْنُونِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى سَعِيدٌ، عَنْ هُشَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى عَنْ ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ غُلَامًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَوْصَى لِأَخْوَالٍ لَهُ مِنْ غَسَّانَ، بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ جُشَمَ قُوِّمَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَجَازَ الْوَصِيَّةَ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. وَرُوِيَ أَنَّ قَوْمًا سَأَلُوا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ غُلَامٍ مِنْ غَسَّانَ يَافِعٍ، وَصَّى لِبِنْتِ عَمِّهِ، فَأَجَازَ عُمَرُ وَصِيَّتَهُ. وَلَمْ نَعْرِفْ لَهُ مُخَالِفًا، وَلِأَنَّ صِحَّةَ وَصِيَّتِهِ وَتَدْبِيرِهِ أَحَظُّ لَهُ بِيَقِينٍ، لِأَنَّهُمَا بَاقِيًا لَا يَلْزَمُهُ، فَإِذَا مَاتَ كَانَ ذَلِكَ صِلَةً وَأَجْرًا، فَصَحَّ، كَوَصِيَّةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، وَيُخَالِفُ الْعِتْقَ، لِأَنَّ فِيهِ تَفْوِيتَ مَالِهِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَوَقْتِ حَاجَتِهِ.
فَأَمَّا تَقْيِيدُ مَنْ يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ بِمَنْ لَهُ عَشْرٌ ; فَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ} . وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ الْخَبَرُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَاعْتَبَرَ الْمَرْأَةَ بِتِسْعٍ ; لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ، فَهِيَ امْرَأَةٌ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْفُوعًا. وَلِأَنَّهُ السِّنُّ الَّذِي يُمْكِنُ بُلُوغُهَا فِيهِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ سِوَى ذَلِكَ. (8686)
فَصْلٌ: وَيَصِحُّ مِنْهُ الرُّجُوعُ. إنْ قُلْنَا بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ مِنْ الْمُكَلَّفِ ; لِأَنَّ مَنْ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ، صَحَّ رُجُوعُهُ، كَالْمُكَلَّفِ. وَإِنْ أَرَادَ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ، قَامَ وَلِيُّهُ فِي بَيْعِهِ مَقَامَهُ. وَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَلِيُّهُ فِي بَيْعِهِ، فَبَاعَهُ، صَحَّ مِنْهُ.
(8687) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ، وَوَصِيَّتُهُ ; لِمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّبِيِّ. وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمَجْنُونِ، وَلَا تَدْبِيرُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ. وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ يَوْمًا، وَيُفِيقُ يَوْمًا، صَحَّ تَدْبِيرُهُ فِي إفَاقَتِهِ.
(8688) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ تَدْبِيرُ الْكَافِرِ ; ذِمِّيًّا كَانَ أَوْ حَرْبِيًّا، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ ; لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا صَحِيحًا، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، كَالْمُسْلِمِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ مِلْكُهُ صَحِيحًا، لَمْ يَمْلِكْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. قُلْنَا: هَذَا لَا يُنَافِي الْمِلْكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمْلِكُ فِي النِّكَاحِ، وَيَمْلِكُ زَوْجَتَهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ قَضَائِهِ، أُخِذَ مِنْ مَالِهِ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَحُكْمُ تَدْبِيرِهِ حُكْمُ تَدْبِيرِ الْمُسْلِمِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ أَسْلَمَ مُدَبَّرُ الْكَافِرِ، أُمِرَ بِإِزَالَةِ