فهرس الكتاب

الصفحة 2524 من 3896

أَحَدُهُمَا، يَكُونُ ظِهَارًا ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ حَرَامٌ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، فَإِنَّ تَشْبِيهَهَا بِهِمَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِهِمَا فِي الْأَمْرِ الَّذِي اشْتَهَرَا بِهِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} . وَالثَّانِي، يَكُونُ يَمِينًا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، فَإِذَا أَتَى بِلَفْظٍ مُحْتَمِلٍ، ثَبَتَ بِهِ أَقَلُّ الْحُكْمَيْنِ ; لِأَنَّهُ الْيَقِينُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا نُثْبِتُهُ بِالشَّكِّ، وَلَا نَزُولُ عَنْ الْأَصْلِ إلَّا بِيَقِينٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، هُوَ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ سَوَاءً.

(5903) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا طَلَّقَهَا بِلِسَانِهِ، وَاسْتَثْنَى شَيْئًا بِقَلْبِهِ، وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَلَمْ يَنْفَعْهُ الِاسْتِثْنَاءُ)

وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِاللَّفْظِ مِنْ قَرِينَةٍ، أَوْ اسْتِثْنَاءٍ، عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ ; أَحَدُهَا، مَا لَا يَصِحُّ نُطْقًا وَلَا نِيَّةً، وَذَلِكَ نَوْعَانِ ; أَحَدُهُمَا، مَا يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كُلَّهُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا. أَوْ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا تَلْزَمُك. أَوْ: لَا تَقَعُ عَلَيْك. فَهَذَا لَا يَصِحُّ بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ ; لِأَنَّهُ يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كُلَّهُ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ لَغْوًا، فَلَا يَصِحُّ هَذَا فِي اللُّغَةِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ، وَوَقَعَ الطَّلَاقُ. الضَّرْبُ الثَّانِي، مَا يُقْبَلُ لَفْظًا، وَلَا يُقْبَلُ نِيَّةً، لَا فِي الْحُكْمِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْأَقَلِّ، فَهَذَا يَصِحُّ لَفْظًا ; لِأَنَّهُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَلَا يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَيَسْتَثْنِيَ بِقَلْبِهِ: إلَّا وَاحِدَةً أَوْ أَكْثَرَ. فَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ الْعَدَدَ نَصٌّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ، لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ، فَلَا يَرْتَفِعُ بِالنِّيَّةِ مَا ثَبَتَ بِنَصِّ اللَّفْظِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ أَقْوَى مِنْ النِّيَّةِ، وَلَوْ نَوَى بِالثَّلَاثِ اثْنَتَيْنِ، كَانَ مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَوَقَعَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَغَتْ نِيَّتُهُ.

وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا لَوْ قَالَ: نِسَائِي طَوَالِقُ. وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ: إلَّا فُلَانَةَ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ نِسَائِي اسْمٌ عَامٌّ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ بَعْضِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الْعُمُومُ بِإِزَاءِ الْخُصُوصِ كَثِيرًا، فَإِذَا أَرَادَ بِهِ الْبَعْضَ صَحَّ، وَقَوْلُهُ: ثَلَاثًا. اسْمُ عَدَدٍ لِلثَّلَاثِ، لَا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ بِهِ عَنْ عَدَدِ غَيْرِهَا، وَلَا يَحْتَمِلُ سِوَاهَا بِوَجْهٍ، فَإِذَا أَرَادَ بِذَلِكَ اثْنَتَيْنِ، فَقَدْ أَرَادَ بِاللَّفْظِ مَالًا يَحْتَمِلُهُ، وَإِنَّمَا تَعْمَلُ النِّيَّةُ فِي صَرْفِ اللَّفْظِ الْمُحْتَمِلِ إلَى أَحَدِ مُحْتَمَلَاتِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يَحْتَمِلُ فَلَا، فَإِنَّا لَوْ عَمِلْنَا بِهِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ، كَانَ عَمَلًا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَا تَعْمَلُ فِي نِكَاحٍ، وَلَا طَلَاقٍ، وَلَا بَيْعٍ. وَلَوْ قَالَ: نِسَائِي الْأَرْبَعُ طَوَالِقُ. أَوْ قَالَ لَهُنًّ: أَرْبَعَتُكُنَّ طَوَالِقُ. وَاسْتَثْنَى بَعْضَهُنَّ بِالنِّيَّةِ،

لَمْ يُقْبَلْ، عَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَدِينِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ عَنَى بِاللَّفْظِ مَا لَا يَحْتَمِلُ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ، مَا يَصِحُّ نُطْقًا، وَإِذَا نَوَاهُ دُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ مِثْلُ تَخْصِيصِ اللَّفْظِ الْعَامِ، أَوْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَجَازِهِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: نِسَائِي طَوَالِقُ. يُرِيدُ بَعْضَهُنَّ، أَوْ يَنْوِي بِقَوْلِهِ: طَوَالِقُ. أَيْ مِنْ وَثَاقٍ، فَهَذَا يُقْبَلُ إذَا كَانَ لَفْظًا. وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّهُ وَصَلَ كَلَامَهُ بِمَا بَيَّنَ مُرَادَهُ، وَإِنْ كَانَ بِنِيَّتِهِ، قُبِلَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت