وَإِنْ مَسَحَ عَلَيْهِ، وَصَلَّى، أَعَادَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ ; لِأَنَّهُ عَاصٍ بِلُبْسِهِ، فَلَمْ تُسْتَبَحْ بِهِ الرُّخْصَةُ، كَمَا لَا يَسْتَبِيحُ الْمُسَافِرُ رُخَصَ السَّفَرِ لِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ. وَلَوْ سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ لَمْ يَسْتَبِحْ الْمَسْحَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ; لِأَنَّ يَوْمًا وَلَيْلَةً غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالسَّفَرِ، وَلَا هِيَ مِنْ رُخَصِهِ، فَأَشْبَهَ غَيْرَ الرُّخَصِ، بِخِلَافِ مَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ; فَإِنَّهُ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَسْتَبِحْهُ بِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، كَالْقَصْرِ وَالْجَمْعِ.
(425) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى كُلِّ خُفٍّ سَاتِرٍ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جُلُودٍ أَوْ لُبُودٍ وَمَا أَشْبَهَهُمَا. فَإِنْ كَانَ خَشَبًا أَوْ حَدِيدًا أَوْ نَحْوَهُمَا، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْخِفَافِ الْمُتَعَارَفَةِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى الْمَسْحِ عَلَى هَذِهِ فِي الْغَالِبِ. وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْمَسْحِ عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ، أَشْبَهَ الْجُلُودَ.
إنَّمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبِ بِالشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي الْخُفِّ، أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ صَفِيقًا، لَا يَبْدُو مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ الْقَدَمِ. الثَّانِي أَنْ يُمْكِنَ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ بِغَيْرِ نَعْلٍ: إذَا كَانَ يَمْشِي عَلَيْهِمَا، وَيَثْبُتَانِ فِي رِجْلَيْهِ، فَلَا بَأْسَ.
وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ: يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا إذَا ثَبَتَا فِي الْعَقِبِ. وَفِي مَوْضِعٍ قَالَ: إنْ كَانَ يَمْشِي فِيهِ فَلَا يَنْثَنِي، فَلَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إذَا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الْوُضُوءِ. وَلَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ، قَالَ أَحْمَدُ: يُذْكَرُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ سَبْعَةٍ، أَوْ ثَمَانِيَةٍ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَيُرْوَى إبَاحَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَنَسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالْبَرَاءِ، وَبِلَالٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالنَّخَعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْأَعْمَشُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَإِسْحَاقُ، وَيَعْقُوبُ، وَمُحَمَّدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، إلَّا أَنْ يُنْعَلَا ; لِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِمَا، فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا، كَالرَّقِيقِينَ وَلَنَا: مَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ} .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّعْلَيْنِ لَمْ يَكُونَا عَلَيْهِمَا ; لِأَنَّهُمَا لَوْ كَانَا كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: مَسَحْت عَلَى الْخُفِّ وَنَعْلِهِ ; وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مَسَحُوا عَلَى الْجَوَارِبِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، فَكَانَ إجْمَاعًا ; وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، يَثْبُتُ فِي الْقَدَمِ، فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، كَالنَّعْلِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ، وَيُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. فَأَمَّا الرَّقِيقُ فَلَيْسَ بِسَاتِرٍ.
(427) فَصْلٌ: وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ جَوْرَبِ الْخِرَقِ، يُمْسَحُ عَلَيْهِ ؟ فَكَرِهَ الْخِرَقَ. وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهَا ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهَا الْخِفَّةُ، وَأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِأَنْفُسِهَا. فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ فِي الصَّفَاقَةِ وَالثُّبُوتِ، فَلَا فَرْقَ. وَقَدْ