وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِ الذَّكَاةِ، كَالْبَعِيرِ وَالْبَقَرَةِ.
(7763) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (فَإِنْ ذَبَحَ مَا يُنْحَرُ، أَوْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ فَجَائِزٌ)
هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ; مِنْهُمْ عَطَاءٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد، أَنَّ الْإِبِلَ لَا تُبَاحُ إلَّا بِالنَّحْرِ، وَلَا يُبَاحُ غَيْرُهَا إلَّا بِالذَّبْحِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ {: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} . وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَقَالَ تَعَالَى {: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحَرَ الْبُدْنَ، وَذَبَحَ الْغَنَمَ، وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ الْأَحْكَامُ مِنْ جِهَتِهِ.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي الْإِبِلِ إلَّا النَّحْرُ ; لِأَنَّ أَعْنَاقَهَا طَوِيلَةٌ، فَإِذَا ذُبِحَ تَعَذَّبَ بِخُرُوجِ رُوحِهِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إنَّمَا كَرِهَهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُ.
وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {اُمْرُرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت} . وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلْنَاهُ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ. وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: {نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ بَقَرَةً وَاحِدَةً} . وَلِأَنَّهُ ذَكَاةٌ فِي مَحِلِّ الذَّكَاةِ، فَجَازَ أَكْلُهُ، كَالْحَيَوَانِ الْآخَرِ.
(7764) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا ذَبَحَ فَأَتَى عَلَى الْمَقَاتِلَ، فَلَمْ تَخْرُجْ الرُّوحُ حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، لَمْ تُؤْكَلْ)
.يَعْنِي إذَا وَطِئَ عَلَيْهَا شَيْءٌ يَقْتُلُهَا مِثْلُهُ غَالِبًا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ: لَا يَحْرُمُ بِهَذَا. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّهَا إذَا ذُبِحَتْ فَقَدْ صَارَتْ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أُبِينَ رَأْسُهَا بَعْدَ الذَّبْحِ، لَمْ تَحْرُمْ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَلَوْ ذُبِحَ إنْسَانٌ ثُمَّ ضَرَبَ آخَرُ عُنُقَهُ أَوْ غَرَّقَهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ.
وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: {وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ، فَلَا تَأْكُلْ} . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ رَمَى طَائِرًا فَوَقَعَ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ فِيهِ، فَلَا تَأْكُلْهُ. وَلِأَنَّ الْغَرَقَ سَبَبٌ يَقْتُلُ، فَإِذَا اجْتَمَعَ مَعَ الذَّبْحِ، فَقَدْ اجْتَمَعَ مَا يُبِيحُ وَيُحَرِّمُ، فَيُغَلَّبُ الْحَظْرُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُعِينَ عَلَى خُرُوجِ الرُّوحِ، فَتَكُونَ قَدْ خَرَجَتْ بِفِعْلَيْنِ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ رَمَاهُ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فَمَاتَ.
(7765) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا ذَبَحَهَا مِنْ قَفَاهَا، وَهُوَ مُخْطِئٌ، فَأَتَتْ السِّكِّينُ عَلَى مَوْضِعِ ذَبْحِهَا، وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ، أُكِلَتْ)
قَالَ الْقَاضِي: مَعْنَى الْخَطَأِ أَنْ تَلْتَوِيَ الذَّبِيحَةُ عَلَيْهِ، فَتَأْتِيَ السِّكِّينُ عَلَى الْقَفَا ; لِأَنَّهَا مَعَ الْتِوَائِهَا مَعْجُوزٌ عَنْ ذَبْحِهَا، فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَحَلِّ، كَالْمُتَرَدِّيَةِ فِي بِئْرٍ، فَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْتِوَائِهَا، فَلَا تُبَاحُ بِذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَرْحَ فِي الْقَفَا سَبَبٌ لِلزَّهُوقِ، وَهُوَ فِي