فهرس الكتاب

الصفحة 3868 من 3896

فَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَأَمَّا خَبَرُهُمْ، فَنَقُولُ بِهِ، وَالْحَمْلُ مَعْلُومُ، فَيَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ، وَيُفَارِقُ الْبَيْعَ ; فَإِنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعِلْمُ بِصِفَاتِ الْعِوَضِ ; لِيُعْلَمَ هَلْ هُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْعِوَض أَمْ لَا ؟ وَالْعِتْقُ تَبَرُّعٌ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى مَعْرِفَةِ صِفَاتِ الْمُعْتَقِ. وَلَا تُنَافِيه الْجَهَالَةُ بِهَا، وَيَكْفِي الْعِلْمُ بِوُجُودِهِ، وَقَدْ عُلِمَ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ صَحَّ إفْرَادُ الْحَمْلِ بِالْعِتْقِ، وَلَمْ يَصِحَّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ اسْتِثْنَاءَهُ فِي الْبَيْعِ إذَا بَطَلَ، بَطَلَ الْبَيْعُ كُلُّهُ، وَهَا هُنَا إذَا بَطَلَ اسْتِثْنَاؤُهُ، لَمْ يَبْطُلْ الْعِتْقُ فِي الْأَمَةِ، وَيَسْرِي الْإِعْتَاقُ إلَيْهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ إعْتَاقه مَعَ تَضَادِّ الْحُكْمِ فِيهِمَا ؟ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا ; لِأَنَّ الْعُضْوَ لَا يُتَصَوَّرُ انْفِرَادُهُ بِالرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ دُونَ الْحَمْلِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَ عُضْوًا مِنْ أَمَتِهِ، صَارَتْ كُلُّهَا حُرَّةً، فَإِذَا عَتَقَ بَعْضَهَا، سَرَى إلَى الْمُسْتَثْنَى، وَالْوَلَدُ حَيَوَانٌ مُنْفَرِدٌ، لَوْ أَعْتَقَهُ لَمْ تَسْرِ الْحُرِّيَّةُ إلَى أُمِّهِ، وَيَصِحُّ انْفِرَادُهُ بِالْحُرِّيَّةِ عَنْ أُمِّهِ، فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ دُونَهَا، وَفِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أُمِّهِ، وَفِيمَا إذَا وَطِئَ بِشُبْهَةٍ، وَفِي وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ يَرِثُ وَيُورَثُ، وَيُوصَى بِهِ وَلَهُ، وَإِذَا قُتِلَ كَانَ بَدَلُهُ مَوْرُوثًا، وَلَا تَخْتَصُّ بِهِ أُمُّهُ، وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقَتْلِهِ، وَالدِّيَةُ فِي مُقَابَلَتِهِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أَعْضَائِهَا ؟ فَأَمَّا إنْ أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِهَا دُونَهَا، فَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِيهِ.

قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: سُئِلَ سُفْيَانُ عَنْ رَجُلٍ قَالَ: مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ، قَالَ: هُوَ حُرٌّ، وَالْأُمُّ مَمْلُوكَةٌ ; لِأَنَّ وَلَدَهَا مِنْهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ مِنْ وَلَدِهَا. قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: جَيِّدٌ. وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَجُلٍ زَوَّجَ أَمَتَهُ، فَقَالَتْ: قَدْ حَبِلْت. فَقَالَ لَهَا مَوْلَاهَا: مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ. وَلَمْ تَكُنْ حَامِلًا. قَالَ: لَا تَعْتِقُ. فَأَعَدْت عَلَيْهِ الْقَوْلَ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: لَا يَكُونُ شَيْءٌ، إنَّمَا أَرَادَ مَا فِي بَطْنِهَا، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: وَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ خِدْمَتُهُ شَهْرًا، فَقَالَ: جَائِزٌ.

(8822) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعَجِّلَ الْمُكَاتَبُ لِسَيِّدِهِ بَعْضَ كِتَابَتِهِ، وَيَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ كِتَابَتِهِ)

وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إذَا كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ فِي نَجْمَيْنِ إلَى سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: عَجِّلْ لِي خَمْسَمِائَةٍ مِنْهُ، حَتَّى أَضَعَ عَنْك الْبَاقِيَ، أَوْ حَتَّى أُبْرِئَك مِنْ الْبَاقِي. أَوْ قَالَ: صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى خَمْسِمِائَةٍ مُعَجَّلَةٍ. جَازَ ذَلِكَ. وَبِهِ يَقُولُ طَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالشَّعْبِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّ هَذَا بَيْعُ أَلْفٍ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَهُوَ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي الدَّيْنِ لِأَجْلِ الْأَجَلِ، وَهَذَا أَيْضًا هِبَةٌ، وَلِأَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْنَ الْأَجَانِبِ، وَالرِّبَا يَجْرِي بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، فَلَمْ يَجُزْ هَذَا بَيْنَهُمَا، كَالْأَجَانِبِ.

وَلَنَا، أَنَّ مَالَ الْكِتَابَةِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَلَا هُوَ دَيْنٌ صَحِيحٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى أَدَائِهِ، وَلَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ أَدَائِهِ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ، وَمَا يُؤَدِّيهِ إلَى سَيِّدِهِ كَسْبُ عَبْدِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ هَذَا الْعَقْدَ وَسِيلَةً إلَى الْعِتْقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت